الاستثمار الأجنبي والأسواق المرنة

|

يعرف معظم الاقتصاديين أن الاستثمار الأجنبي أعطى دفعة مهمة لمسيرة التكامل الاقتصادي العالمي، في دعم نمو اقتصادات الدول النامية، ولا سيما خلال العقدين الماضيين اللذين شهدا زيادة كبيرة في حجم التدفقات الاستثمارية، وذلك من خلال الإسهام في ربط أسواق رأس المال وأسواق العمل وزيادة الأجور وإنتاجية رأس المال في الدول المضيفة له. فهو إذن مرتبط بحركة الانتعاش الاقتصادي في أي دولة مهما كان حجمه أو مؤشراته. لذا، ليس غريبا أن تصدر أرقام عن المؤسسات الاقتصادية الدولية المختصة، بشأن الاستثمارات الأجنبية حول العالم.
فهذا النوع من الاستثمارات تعرض لضربة قوية - كغيره من القطاعات الأخرى - بفعل الأزمة الاقتصادية التي خلفها تفشي وباء كورونا المستجد، هذا الوباء الذي لا يزال يسيطر بصورة أو بأخرى على الحراك الاقتصادي، حتى بعد أن أقدمت أغلبية الدول على إعادة فتح اقتصاداتها.
والمشكلة الراهنة، تكمن في أنه لا توجد مؤشرات عملية على إمكانية السيطرة في المستقبل القريب على آثار هذه الجائحة، بل هناك مخاوف من انفجار موجة جديدة من الفيروس قبل نهاية العام الجاري، يعتقد المختصون أنها ستكون أقوى من الأولى.
فكما هو واضح في الساحة العالمية، القطاعات التي تشكل الاقتصاد العالمي كلها، تعرضت لضربات الأزمة الاقتصادية، وفي مقدمتها بالطبع حركة الاستثمارات الأجنبية، خصوصا في الدول التي تعتمد بشكل كبير على هذا القطاع الحيوي، وأغلبيتها تندرج تحت قوائم الدول الأشد فقرا، والنامية.
إن التراجع الكبير الذي حدث لهذه الاستثمارات، دفع المختصين إلى التأكيد أنها لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الوباء، قبل حلول عام 2022.
وهناك من يعتقد أن مدة التعافي ستكون أطول، خصوصا إذا استمر الفشل في مواجهة عملية لكورونا، بما في ذلك العثور على لقاح ناجع يقضي عليه نهائيا.
تراجع الاستثمارات يحدث حاليا في المناطق الجغرافية في العالم كله، استنادا إلى الذراع التجارية للأمم المتحدة "أونكتاد". لكن هذا لا يعني أن الأمر ينسحب على الجميع من جهة سرعة عودة وتيرة هذه الاستثمارات.
فتحسين البيئة الاستثمارية سيسهم في تعجيل عودة التدفق الاستثماري الأجنبي، بما في ذلك التسهيلات والقوانين المرنة، والضمانات اللازمة من قبل السلطات المختصة، وغير ذلك من الإجراءات التي تجذب الاستثمارات بأشكالها.
وتعد السعودية من الدول القليلة التي يمكنها أن تعتمد على لوائحها المرنة وتسهيلاتها الكبيرة في استعادة زخم الاستثمارات الأجنبية في فترة زمنية قصيرة، وهذا ما تؤكده "أونكتاد"، حيث تشدد على انخفاض تدفقات الاستثمارات المشار إليها 40 في المائة في العام الجاري، مقارنة بقيمتها الإجمالية في عام 2019 البالغة 1.54 تريليون دولار.
المهم الآن، أن الأسواق المرنة هي التي يمكنها اختصار القوة في إعادة جذب ما أمكن إليها من استثمارات في أعقاب انتهاء آثار جائحة كورونا، أو في مرحلة التعافي الاقتصادي.
فالاستثمار الأجنبي يبقى قطاعا عالميا عالي الجدوى والتأثير في جميع الاقتصادات، بصرف النظر عن قوتها.
إنه رافد من الروافد التي تستند إليها حتى الدول الكبرى التي تتمتع باقتصادات قوية.

إنشرها