نشر معدل البطالة شهريا

|
كم من التغيرات الاقتصادية محليا وعالميا التي حدثت منذ مطلع العام الجاري حتى تاريخه؟ قياسا على حجمها الهائل جدا تحت تأثير الحدث الأكبر المتمثل في انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19، الجميع يتفق دون استثناء على أنها تغيرات لم يسبق لها مثيل في منظور قرن مضى، ويتفق أيضا على أن وزنها بلغة الأرقام والثروات قد تجاوز عشرات التريليونات من الدولارات. أثناء هذه التغيرات التي لم تنته فصولها الدراماتيكية حتى تاريخه، وفي الوقت ذاته لم يظهر للعالم حتى الآن أي معالم مؤكدة حول نهايتها، ودون تجاهل لرؤية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي التي توقعت استمرار تداعيات الأزمة الراهنة حتى نهاية 2022، المؤكد أن أثناء تلك الرحلة العصيبة لاقتصادات العالم المعاصر، لم يقف أي منها مكتوف الأيدي، حيث قام كل منها - حسب قدرته وإمكاناته -، باتخاذ ما استطاع من تدابير وإجراءات، وإنفاق ما أمكنه من موارده المتاحة، كل ذلك لأجل تخفيف آثار الصدمات المؤلمة الناتجة عن انتشار الجائحة، ولتجاوزها خلال أقصر فترة زمنية ممكنة.
اعتمدت جميع تلك الاقتصادات على حجم كبير من الأدوات والسياسات والبرامج، واعتمد نجاح كل تلك الجهود وإثبات فعاليتها على المؤشرات والبيانات والمعلومات، التي تقدم أمام متخذي القرار ومصممي تلك السياسات والبرامج، الصورة الكاملة والدقيقة للاقتصاد والمجتمع وجميع ما يرتبط بهما من تغيرات. لقد مثل توافر هذا العامل الأخير "المؤشرات والبيانات والمعلومات" من عدمه، وما بينهما من مسافة اختلفت من بلد إلى بلد آخر، أحد أهم العوامل التي أدت إلى تفوق هذا البلد أو فشل بلد آخر، فكلما توافرت تلك المؤشرات والمعلومات بصورة حديثة جدا، وواسعة من حيث الشمول والتفصيل، ازدادت فعالية وكفاءة أي سياسات أو إجراءات أو تدابير تم اتخاذها من قبل فريق العمل المكلف بها، والعكس صحيح أيضا، كلما عانت أي قصور أو تأخير زمني، تسبب ذلك في خفض فعاليتها وكفاءتها، وفي كلتا الحالتين المختلفتين سينعكس الأثر بكل تأكيد على النتائج النهائية لكل منهما.
مقدمة كان لا بد منها لبيان أهمية وأسباب المطالبة بنشر بيانات معدل البطالة شهريا، التي لا تزال حتى تاريخه تنشر بصورة ربع سنوية، عدا ما تعانيه من تأخيرٍ في النشر، ولو تساءلنا جميعا خلال الفترة الراهنة عن أحدث معدل للبطالة متوافر لدينا، بعد مضي نحو ستة شهور من العام الجاري تخللتها بصورة غير مسبوقة تغيرات كبيرة جدا طرأت على اقتصادنا الوطني والاقتصاد العالمي بأسره، فليس لدينا بأي حال من الأحوال أقرب من معدل البطالة في نهاية العام الماضي "12 في المائة"، وفي ظل الأوضاع المتسارعة الراهنة، لا تتجاوز أهميته مجرد كونه رقما أو معلومة للتاريخ فقط، ولا يمكن لمتخذ القرار في أي جهة حكومية أو من المختصين والمراقبين من ذوي العلاقة بسوق العمل المحلية، أن يتحقق لأي طرف من الأطراف الاستفادة اللازمة من معرفة مجرد معلومة تاريخية، وكم هو الفرق شاسع جدا بين أن يتوافر أمام متخذ القرار ذي العلاقة المباشرة بسوق العمل المحلية معدل بطالة الشهر الماضي، وبين ألا يجد أمامه أقرب من معدل بطالة العام الماضي، خاصة خلال الفترة الراهنة التي شهد خلالها العالم بأسره ما لم يشهده طوال ما يقارب قرنا من الزمن.
الأهمية القصوى أن تقوم الهيئة العامة للإحصاء بالنشر الشهري لمعدل البطالة محليا، وجميع ما يرتبط به من مؤشرات وبيانات تعكس الصورة الأحدث لسوق العمل المحلية، وبما لا يتجاوز نهاية الشهر التالي، أؤكد أن أهمية كل ذلك تستند وتقف على أرض صلبة تتمثل في المنظومة المعلوماتية المتقدمة جدا، التي أصبحت متوافرة لدينا على المستويات كافة، وهو ما رأينا جميعا انعكاسه وأثره الإيجابي في كثير من المجالات الأخرى، سواء على المستوى الحكومي أو الأهلي دون استثناء، بل لقد وصل مستوى تقدمها المذهل في جوانب عديدة من خدمات الأجهزة الحكومية، إلى إمكانية أن ينجز المستفيد "مواطن، مقيم" احتياجاته الخاصة من كثير من الأجهزة الحكومية خلال دقائق قليلة، بالاعتماد على التطبيق المطور من تلك الأجهزة، مقارنة بما كان يستغرقه ذلك خلال أعوام سابقة لعدة أسابيع أو حتى شهور.
ورغم أن هذا الأمر لا يختص فقط بأهمية نشر معدل البطالة شهريا، بل يشمل أيضا بقية المؤشرات والمعلومات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية عموما التي ما زالت تعاني تأخر نشرها، إلا أن الأهمية الأكبر والأعلى لهذا المعدل تحديدا، وضرورة معرفته بصورة حديثة من قبل الأطراف كافة من ذوي العلاقة، كل ذلك يعزز بصورة أكبر، إضافة إلى ما سبق ذكره أعلاه، الحاجة الماسة إلى مبادرة الهيئة العامة للإحصاء بتبني هذا الأمر، والعمل فورا على ترجمته إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع خلال أقصر فترة زمنية ممكنة، وألا يتأخر تحقق هذا الأمر أكثر مما تأخر حتى تاريخه. ومن يعلم فقد نرى قريبا كثيرا من اقتصادات العالم تقوم بنشر معدل البطالة أسبوعيا لأهميته القصوى، وحينئذ لن يفيدنا كثيرا، كما هو مأمول، نشر المعدل شهريا، فما بالنا إن حدث ذلك التطور ونحن لا نزال نقف عند نشره بصورة ربع سنوية؟ وهو الحال الذي لا تتجاوز معه أهمية هذا المعدل مجرد كونه رقما تاريخيا فقط.
إنشرها