الطريق إلى مستقبل منخفض الكربون

|
التحول العالمي إلى مستقبل منخفض الكربون يعد خطوة ذات دلالة مهمة في مسار مستقبل الطاقة العالمي وتأثيراته في قضية التغيرات المناخية التي استحوذت على اهتمام الجميع نظرا لتداعياتها وتأثيراتها السلبية في مستقبل البشرية بأسرها. هذا التحول مدعوم بسياسات تهدف إلى الحد من الغازات الدفيئة GHG أو الغازات المسببة للاحتباس الحراري وكذلك بالانخفاض السريع في تكاليف مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
في الواقع، في العقد الماضي، لم تشهد أي دولة انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لديها أكثر من الولايات المتحدة. لكن السبب الرئيس لهذا الانخفاض غالبا ما يفاجئ كثيرين. حيث إن تطوير مصادر الغاز الصخري في الولايات المتحدة تسبب في زيادة إنتاج الغاز الطبيعي فيها بنسبة 90 في المائة تقريبا بين عامي 2005 و2020. وأدى ذلك إلى انهيار أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة وساعد على دفع محطات الطاقة التي تعمل بالفحم إلى التحول إلى الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة. كان هذا هو المحرك الرئيس في انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الولايات المتحدة، في حين أن نمو مصادر الطاقة المتجددة أسهم بالدرجة الثانية في هذا الانخفاض.
وهكذا، من المفارقات أن الوقود الأحفوري أسهم بالفعل في دفع عملية الانتقال إلى مستقبل منخفض الكربون. هذا يطرح سؤالا حول ما إذا كانت هناك أنواع أخرى من الوقود الأحفوري يمكن أن تساعد أيضا على دفع هذا التحول. في الواقع، هناك.
إن أحد المنتجات الجانبية لهذه الطفرة في إنتاج الغاز الطبيعي زيادة في إنتاج سوائل الغاز الطبيعي NGL. حيث تتم إزالة هذه السوائل من الغاز الطبيعي في أثناء عملية الإنتاج، وتتكون من الإيثان، البروبان والبيوتان والهيدروكربونات الأثقل.
البروبان هو الأخف من بين هذه الغازات ويمكن نقله بسهولة كسائل تحت الضغط. مثلما ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي، قفز إنتاج البروبان من 182 مليون برميل عام 2005 إلى ما يقرب من 600 مليون برميل عام 2019. الطريقة الوحيدة التي يمكن للبروبان أن يساعد على الانتقال إلى مستقبل منخفض الكربون هي من خلال إنتاج الهيدروجين. الهيدروجين هو العنصر الأخف، إضافة إلى أنه العنصر الأكثر وفرة في الطبيعة. يمكن استخدامه كمصدر للطاقة، ويلعب دورا حاسما في عديد من عمليات البتروكيماويات. عندما يتم حرق الهيدروجين، فإنه يشكل الماء. لذلك يمكن استخدام الهيدروجين كمصدر وقود منخفض الكربون. يمكن حرق الهيدروجين مباشرة، أو يمكن استخدامه في خلية وقود لإنتاج الكهرباء. نظرا لأن الهيدروجين نفسه ينتج الماء عند حرقه، فإن كثيرين يعدونه محركا رئيسا لمستقبل طاقة أنظف.
لكن يجب إنتاج الهيدروجين أولا. يتم إنتاج أكثر من 95 في المائة من الهيدروجين في العالم بوساطة عملية إصلاح الميثان بالبخار Steam Methane Reformers. لكن هذه العملية ماصة للحرارة، حيث تستهلك نحو 30 في المائة من الوقود المستخدم لتوفير الحرارة للتفاعل. في هذه العملية، يتفاعل الغاز الطبيعي مع البخار عند درجة حرارة مرتفعة لإنتاج أول أكسيد الكربون والهيدروجين. يتبعه تفاعل آخر يتضمن تفاعل بخار إضافي مع أول أكسيد الكربون لإنتاج هيدروجين إضافي وثاني أكسيد الكربون.
المنتجات النهائية لهذا التفاعل هي ثاني أكسيد الكربون والهيدروجين. مثل الميثان، يمكن استخدام عملية إصلاح البروبان بالبخار، ويكون التفاعل في درجات حرارة معتدلة. يحدث تفاعل إصلاح الميثان بالبخار عند درجات حرارة تراوح بين 750 و950 درجة مئوية، لكن يمكن إصلاح البروبان إلى الهيدروجين عند درجات حرارة تراوح بين 200 و350 درجة مئوية. تقلل درجات الحرارة المنخفضة من متطلبات الطاقة، وبالتالي انبعاثات الكربون لإنتاج الهيدروجين من البروبان.
لكن ماذا عن ثاني أكسيد الكربون؟ سواء تم حرق البروبان أو إصلاحه بشكل مباشر، فإن كل الكربون الموجود في البروبان سينتهي به الأمر ليكون ثاني أكسيد الكربون. الاحتراق المباشر للبروبان في المركبات شائع في مناطق كثيرة من العالم، وله انبعاثات كربون أقل من البنزين أو الديزل، لكن انبعاثات الكربون هذه لا تزال تنتهي في الغلاف الجوي.
لكن عملية تحويل البروبان إلى هيدروجين توفر طريقة لاحتجاز انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من المصدر. حيث يتم فصله ومن ثم بيعه في أسواق ثاني أكسيد الكربون "للاستخدام في المشروبات الغازية والتبريد". هناك استخدامات أخرى لثاني أكسيد الكربون أيضا، لكن كملاذ أخير يمكن ضخه مرة أخرى في الأرض وحجزه.
يمكن بعد ذلك استخدام الهيدروجين لإنتاج مصدر طاقة تقريبا خال من الكربون. نقول تقريبا، لأنه لا تزال هناك كمية صغيرة من الانبعاثات المرتبطة بإنتاج البروبان ولاحقا الهيدروجين، لكن هذه جزء صغير من انبعاثات الوقود الأحفوري المحترق.
هذه ليست مجرد نظريات. على سبيل المثال، تشتري شركة أمازون رافعات شوكية تعمل على خلايا وقود الهيدروجين. وتقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إنه يوجد الآن نحو 80 محطة طاقة تعمل بخلايا الوقود في الولايات المتحدة، تولد نحو 190 ميجاواط. إضافة إلى ذلك، هناك نحو 60 محطة للتزود بالوقود الهيدروجيني تعمل في الولايات المتحدة.
يبدو من المحتمل أن ينمو استخدام الهيدروجين مع تزايد اعتماد العالم على الطاقة منخفضة الكربون. كما بالفعل أسهم الغاز الطبيعي، يمكن لبعض أنواع الوقود الأحفوري الأخرى مثل البروبان أن تساعد على التحول إلى مستقبل منخفض الكربون.
في هذا الجانب، حدد الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة، رؤية المملكة للاقتصاد الدائري منخفض الكربونLow carbon circular economy من خلال العمل على أربع استراتيجيات، هي: الخفض، وإعادة الاستخدام، والتدوير، والتخلص، حيث يساعد هذا النظام الدائري المحكم على استعادة التوازن لدورة الكربون بالطريقة نفسها التي تحدث في الطبيعة. وتتفق هذه الاستراتيجيات الأربع مع رؤية المملكة 2030 عبر برامجها الهادفة إلى تحقيق تحول اجتماعي جوهري نحو نمو أكثر استدامة اقتصاديا، وهو ما يستوجب العمل على إصلاحات تهدف إلى تنويع بيئي واقتصادي عبر العمل على زيادة كفاءة الطاقة كون ذلك يرتبط ارتباطا وثيقا بالإنتاجية الكلية للطاقة في المملكة، خاصة في مجال الطاقة المتجددة.
إنشرها