اقتصاد ما بعد كورونا «3»

|
ما يهم في اقتصاد ما بعد كورونا هو الإنتاجية، فهي التي ستحدث الفرق بين المنتجين المتنافسين ليفوز أحدهم بالزبائن، لتفوقه بفارق في السعر للسلعة ذاتها أو فارق الخدمة أو لتفرده في التصميم والصنعة. أما ما الذي سيستجد في أمر الإنتاجية بعد كورونا، والإنتاجية - كما نعلم - أنها مفهوم قديم لم تفارق الفكر الاقتصادي منذ بزوغ المجتمعات المتحضرة قبل نحو عشرة آلاف عام، تزامنا مع الثورة الاقتصادية أو الثورة الزراعية. بل إن الثورات الاقتصادية المتتابعة بعد ذلك كلها انطلقت لفضاءات جديدة، ومعها الاقتصاد العالمي، ارتكازا لقفزات في الإنتاجية. إذا ما الجديد؟ الجديد أننا - والعالم بأسره - يخرج من كورونا ليعبر فضاء مختلفا، وهو إدراكنا جميعا، وبصورة عملية أن العالم بات قرية، وأن السلع والخدمات تعبر الحدود، وأن بوسع أي منا أن يستورد السلع، بمعنى أن قصص "الوكالات الحصرية" أصبحت من الماضي، بل وفي طريقها للتلاشي والعدم.
وما علاقة الإنتاجية، أو تحسين الإنتاجية بكل هذا؟ علاقته أن السوق ستتحول لتصبح أكثر عدلا للمستهلك النهائي، فبوسعه أن يشتري من دائرة أكثر اتساعا، بما يعني أنه في طريقه للتخلي - ولو بعد حين - عن منظومة التسوق التي كان وفيا لها لأعوام، بل لأجيال متعاقبة. وتبعات ذلك، غير خافية، في أنها ستلقي بضغوط هائلة على الباعة المحليين للإبقاء على المشترين، ولكن كيف؟ فإن كان كل ما يملكه البائع المحلي هو أن يستورد بضاعة من الصين ويعرضها في دكاكين بالقرب من المشتري مقابل هامش ربح، فالنموذج الأكثر تألقا وإقناعا من وجهة نظر المشتري هو أن يشتري مباشرة من "علي بابا" مثلا. وليست النقطة هنا أن نموذج التجارة الإلكترونية جديد، بل إنه انتشر انتشارا مزعزعا إبان فترة الحظر، فاتسعت دائرة اختيارات المشتري اتساعا كبيرا. وهذا يعني أن ديناميكية جديدة حلت بجانب الطلب ستشعل المنافسة بين البائعين، وتقوم على فكرة "النفاذ للمشتري"، ومن لا يبادر من البائعين للنفاذ للمشترين سيعاني تآكل حصته في السوق. ومن البائعين من سيبادر لكن أدواته لن تمكنه، أو لن يمكنه المنافسون. وهنا نعود إلى نقطة البداية، المنافسة. الإنتاجية هي الوسيلة الأساس لاكتساب القدرة التنافسية، فالأعلى إنتاجية هو الأقدر على المنافسة، أي ليس فقط الاحتفاظ بزبائنه بل كذلك انتزاع زبائن منافسيه وتوسيع حصته السوقية باستمرار. ستنزاح الجائحة وتأخذ معها خريطة السوق المتقادمة وتخلف وراءها توزيعا جديدا للزبائن وللحصص السوقية للباعة.
إنشرها