الفقر ينمو في ظل الوباء

|
"أفقر الدول والاقتصادات الناشئة قد يحتاجان إلى إعادة هيكلة ديونهما مستقبلا"
كريستالينا جورجييفا، مديرة صندوق النقد الدولي

وسط أمواج الأزمة الاقتصادية التي خلفها وباء كورونا المستجد، تظهر مصائب مختلفة، بعضها أقل حدة من الأخرى، لكن هناك قاسم مشترك واحد لكل هذه المصائب، وهو أن الركود الاقتصادي بات حقيقة واقعة، وأنه الأعمق منذ أكثر من 80 عاما، وأنه ماض في قضم ما أمكن من الناتج الإجمالي العالمي، وأنه قد يتحول إلى كساد مخيف، إذا ما طال زمنه. هذا الركود، أصاب كل الدول دون استثناء واحد. وكما هي القطاعات كذلك الدول نال الركود من دول بصورة أكبر من غيرها، وضغط على الموازنات العامة بأشكال مختلفة أيضا، ودفع الحكومات لضخ حزم إنقاذ بحسب الأضرار التي تعرضت لها شركاتها ومؤسساتها. بعض الدول - على سبيل المثال - سددت كامل رواتب الموظفين في القطاعين العام والخاص، بعد وقف عجلة الاقتصاد، وبعضها الآخر دفع نسبا متباينة، وسهل الحصول على القروض الميسرة بضمانات حكومية.
في ظل هذه المأساة الاقتصادية غير المتوقعة، تبرز الدول الأفقر ومعها الدول الناشئة الأقل فقرا. وهذا ما حرك أكثر من 220 شخصية عالمية، لتشجيع الدول الكبرى على التدخل من أجل تخفيف ضغوط الأزمة الاقتصادية عن هذه الدول، بما في ذلك التفكير في إعادة جدولة الديون الواجبة عليها. فأزمة الاقتصاد مثل المرض، تنال بقوة من الدول الهشة، وتضرب بصورة أخف، تلك التي تتمتع بعافية اقتصادية. وهذا ما يفسر في الواقع، تعهد دول "مجموعة العشرين" بقيادة السعودية لضخ خمسة تريليونات دولار، من أجل احتواء تداعيات الأزمة الاقتصادية التي لا تزال متفاعلة، رغم تراجع حدة انتشار كورونا في جميع أنحاء العالم تقريبا. هذه "المجموعة" اتخذت زمام المبادرة منذ الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008، وهي التي تصوغ السياسة الاقتصادية الدولية منذ ذلك الحين.
أضافت أزمة الاقتصاد الراهنة أكثر من 150 مليون عاطل عن العمل، وتداعياتها قد تدفع 395 مليون إنسان آخر إلى ما دون خط الفقر. والمشكلة الرئيسة هنا أن انضمام هذا العدد الهائل من البشر إلى عديد من الفقراء، تم في فترة زمنية تحسب بالأسابيع لا بالأشهر ولا بالأعوام. هؤلاء يعيشون وفق معايير الأمم المتحدة على أقل من 1.9 دولار يوميا، ويبلغ عددهم حاليا على مستوى العالم أكثر من مليار شخص. علما بأن أعلى خطوط الفقر وفق المنظمة الدولية يكون عند 505 دولارات في اليوم الواحد. وإذا ما استمرت ضربات الأزمة الاقتصادية الراهنة حتى نهاية العام الجاري، فإن البرامج الإنمائية الدولية ستتلقى ضربة قاصمة بعد عقود من تحقيقها قفزات لافتة على صعيد محاربة الفقر في العالم.
المشهد الدولي العام يتسم بالسوداوية، بصرف النظر عن المحاولات التي تقوم بها جميع الدول، لتحويله إلى رمادي على الأقل. لماذا؟ لأن الناتج المحلي الإجمالي العالمي هوى 10 في المائة منذ انفجار الأزمة المشار إليها، في حين يؤكد صندوق النقد الدولي أن التجارة العالمية تراجعت 27 في المائة منذ مطلع العام الحالي. وهو نفسه يشدد على أن عشرة تريليونات دولار لا تكفي لإنقاذ اقتصاد العالم. والدول المانحة نفسها، تعيش مصاعب اقتصادية كبيرة أيضا، من جراء توقف اقتصاداتها في الأشهر القليلة الماضية، ما يجعل الأمور صعبة على صعيد عمليات إنقاذ الدول الأشد فقرا، ومعها الدول النامية التي تتمتع ببعض القوة مقارنة بالأولى، لكنها لا تزال هشة أمام الأزمات ولا سيما الكبرى منها.
ما تحتاج إليه الدول الفقيرة عموما في الوقت الراهن، جهود سريعة لتعويض الخسارة اليومية للدخل. وهذا أمر معقد، رغم بدء التحرك الدولي في هذا المجال، خصوصا المؤشرات الإيجابية التي أتت من قمة "مجموعة العشرين" الأخيرة التي عقدت برئاسة السعودية. فوفق بحث مشترك لـ "كينجز كوليدج" والجامعة الوطنية الأسترالية، فإن الفقر قد يتغير في توزيعه الجغرافي على اعتبار أن المنطقة التي يتوقع أن تشهد أكبر عدد من الأشخاص المعرضين لخطر الانزلاق إلى الفقر المدقع، هي جنوب آسيا وعلى رأسها الهند المكتظة بالسكان، وتليها منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، حيث سيأتي منها ثلث الزيادة. والأمر ليس أفضل كثيرا في بقية الدول الفقيرة، أو حتى الناشئة الأخرى. فحتى الصين الأعلى نموا منذ أعوام عديدة، قد تواجه خسائر قدرت ما بين 1.1 و1.6 تريليون دولار من جراء الأزمة الراهنة.
بعض الخسائر سيكون من الصعب تعويضها، فضلا عن إمكانية حدوث أزمة مالية، في حال بقي الوباء فالتا. فأغلب الدول المشار إليها تعاني أصلا ارتفاع ديونها الخارجية، وتردي عملاتها الوطنية، وهذا ما يبرر الدعوات إلى التدخل السريع، ليس لنجدة بلا مقابل لهذه الاقتصادات الهشة، بل لجهود تعيد الأمور إلى نصابها، وتضع الدول الأشد فقرا على الخط الإنتاجي الذي كان العالم يوفر له أساسا تسهيلات جيدة للغاية قبل الأزمة، أسهمت في تعزيز النمو. فارتفاع معدلات الفقر، سيعيد الأعباء على العالم مجددا، بعد أن شهدت تراجعا حقيقيا في العقدين الماضيين.
إنشرها