مكافحة الفقر أولوية عالمية

|
عانت وتعاني المجتمعات البشرية مشكلات كبيرة. وجاءت جائحة كورونا وما تبعها من قيود لتزيد من وضوح هذه المشكلات، ومن أهمية تطوير الجهود القائمة في مكافحة تلك المشكلات. ربما كان الفقر على رأس هذه المشكلات.
مسألة الأولويات مبنية على كون الموارد لها حدود. هكذا خلق الله الدنيا. فليس كل ما يتمنى المرء يدركه. وزادت الأزمة من قوة وأهمية أولوية مكافحة الفقر.
إن مكافحة فقر فقير لها أولوية على مكافحة انخفاض رزق إنسان آخر دون أن يجعله يبلغ حد الفقر. وخلاف هذا الجانب الإنساني الذي يفهمه المسلم وغير المسلم، لدينا نحن المسلمين دليل شرعي قطعي على هذه الأولوية. الدليل أن الركن الثالث من أركان الإسلام الزكاة قدم الفقراء على غيرهم. والركن ما لا يقوم البناء من دونه.
هل للفقر تعريف ومستويات؟
يضع كثير من الدول تعريفات للفقر ومعايير له، بما يتناسب مع أوضاعها. وتدور التعريفات على عدم المقدرة على تحقيق الحد الأدنى من المستوى المعيشي. لكن ما هذا المستوى؟ ذلك أن مستويات المعيشة وتعريفها ليست موحدة أو حتى شبه موحدة بين المجتمعات والثقافات.
مع أن للفقر مظاهر، لكن بعض من يعدون ضمن الفقراء في بلد متوسط دخل الفرد فيه مرتفع بمقياس عالمي، لا يعدون فقراء في بلد ليس كذلك. ماذا يعني ذلك؟ جزء من الفقر متفق عليه بين البشر وجزء منه نسبي.
من ينام في الشارع لأنه لا يملك مالا يمكنه من السكن في سكن بسيط ملكا أو استئجارا، هذا فقير بكل المعايير. أما كونه قادرا على السكن في هذا المسكن البسيط لكنه غير قادر على أفضل منه فهو فقير في مجتمعات دون مجتمعات.
يتبع الفقر في كثير من الدول ممارسات سيئة، كالتمييز وضعف إمكان الحصول على الخدمات الأساسية. وتقول الأمم المتحدة إن هناك ما يقارب مليار شخص يعيشون في فقر، بعضهم في فقر مدقع.
السؤال التالي عن كيفية مكافحة الفقر بما يرى أنه الأنسب؟
الأداة الأولى لمحاربة الفقر ليست بتقديم دعم يجعل الفقير مستمرا في اتكاله على غيره في تقديم العون له. بل بتقديم دعم يجعله أكثر اعتمادا على نفسه في توفير الحد الأدنى اللازم للمعيشة الكريمة. طبعا طالما كان هذا الجعل ممكنا. والأغلب أنه ممكن.
إن سعي الانسان أن يأكل من عمل يده ويتعفف عن السؤال مطلب شرعي قال سبحانه "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ".
والحديث التالي يبين هذه النقطة بيانا:
"جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله شيئا من المال فرأى فيه قوة وجلدا، فقال: ماذا عندك؟ فذكر له أشياء يسيرة في بيته فأمره أن يحضرها فأحضرها فباعها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخذ ثمنها وأعطاه إياه، وقال: اذهب واحتطب ولا أراك مدة كذا وكذا، فذهب الرجل وصار يحتطب ويبيع حتى اكتسب دراهم كثيرة، ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه دراهم فأخبره بذلك، فقال: هذا خير لك من المسألة".
المصدر موقع الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء.
الحديث يحث على بذل الجهود المؤدية إلى استغناء الفقراء عن سؤال الناس. من أمثلة هذه الجهود تعليم أو تدريب الفقراء حرفا. وقد قال آباؤنا حرفة أو صنعة في اليد أمان من الفقر. من الأمثلة حث الفقراء على استخدام موارد بسيطة لعلها توفر لهم دخلا يغنيهم عن السؤال. كما يحث الحديث بطريقة غير مباشرة على دعم أو توفير كل وسيلة تخدم تحقيق هدف الاستغناء عن السؤال.
هل للفقر أنواع؟ نعم له أنواع، ويمكن تلخيصها في نوعين. نوع فقر نتيجة تفشي أوضاع جعلت أو تجعل كثيرين يعتادون على العيش في مجاعة رغما عن إرادتهم وإرادة مجتمعهم.
ونوع فقر بسبب مشكلة في استغلال موارد المجتمع أو الحصول عليها أو توزيعها، رغم وجود هذه الموارد.
التفاوت في الدخول والثروات من حيث هو أي لذاته ليس هو المشكلة. لكن وجود الفقر هو المشكلة.
مما يناقش عالميا مما له علاقة وثيقة بالفقر موضوع ما يسمى فقد المساواة. وأنسب من هذا التعبير أن نقول التفاوت الشديد في الدخول. وهذا التفاوت الشديد قديم قدم البشرية. فالعالم لم يكن بحال أفضل قبل الثورة الصناعية. فقد شهدت البشرية عبر التاريخ شخصيات بالغة الثراء. ومن هؤلاء قارون من قوم موسى - عليه السلام -. وما حصل في الـ 20 عاما الماضية من أن الثورة التقنية التي نشهدها نمت ثراء عدد قليل من الناس نموا تجاوزت نسبته نسبة نمو الثراء في البشر.
على الصعيد المحلي، بذلت جهود كبيرة جدا. فهناك الضمان الاجتماعي. وهناك مصارف ومؤسسات تمويل حكومية لدعم أو إقراض المحتاجين لبناء أعمالهم الخاصة بهم، التي يرجى أن تغنيهم عن السؤال. وهناك جمعيات البر. وهناك برامج تأهيل مهني. وهناك مؤسسات أخرى كمؤسسة الملك عبدالله لوالديه للإسكان التنموي، ومؤسسات وبرامج أسسها رجال أعمال. وتقوم الدولة بتحصيل الزكاة بصورة قوية، وتحويلها إلى المحتاجين.
إنشرها