أسئلة كثيرة تدور حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وتحديدا في العامين المقبلين، في أعقاب تفشي وباء كورونا المستجد، وآثاره السلبية الشديدة في هذا الاقتصاد.
فأغلبية دول العالم أوقفت عجلة اقتصاداتها، في إطار الالتزام بإغلاق النشاط الاقتصادي، لتفادي توسع رقعة كورونا، أو لتجنب انطلاق موجة جديدة منه، يعتقد العلماء أنها ستكون الأعنف. وهذا الإغلاق أدى - كما هو معروف - إلى تراجع النمو أولا، وبدء الانكماش الاقتصادي في مرحلة سريعة لاحقة، خصوصا في ظل عمليات ضخ أموال حكومية لدعم آلاف الشركات والأعمال، فضلا عن تولي الحكومات مسؤولية دفع رواتب حتى القطاع الخاص، والإبقاء على ما أمكن من المؤسسات، منعا لموجة من العاطلين عن العمل، ستثقل حتما كاهل الاقتصادات الوطنية كلها.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على وضعية الاقتصاد العالمي للفترة المتبقية من العام الجاري، وعام 2021. لكن المؤكد، أن كل الاقتصادات في العالم دخلت مرحلة الانكماش بمستويات مختلفة، وجميعها تعد مرتفعة. فعلى سبيل المثال، تراجع الاقتصاد البريطاني في الشهر الرابع من العام الحالي 20.5 في المائة، بحسب الحكومة البريطانية نفسها، وانخفض الاقتصاد الألماني نحو 7 في المائة، في حين تراجع "الفرنسي" ما بين 12 و14 في المائة. ووفق التقديرات الحكومية الأمريكية، فإن اقتصاد الولايات المتحدة سيخسر مع نهاية العالم الجاري أكثر من 8 في المائة. والاقتصاد العالمي نفسه، تراجع في الربع الثاني أكثر من 6 في المائة، في حين تقدر منظمة التعاون والتنمية الدولية وصول مستوى انخفاض هذا الاقتصاد بحلول عام 2021 إلى 10 في المائة. وعلى منوال ذلك الاستشهاد بالاقتصادات المختلفة، فإن مؤشرات الاقتصاد الألماني الذي يعد أقوى اقتصاد في القارة الأوروبية، تعاني ضعف النمو والتراجع، خاصة القطاع الصناعي الذي يعد محركا نشطا للنمو، فقد تعرض كثير من الشركات العاملة إلى الإفلاس، خاصة السيارات، وتم تسريح آلاف العاملين فيها، ما تسبب في ارتفاع معدلات البطالة.
من هنا، فلا حديث عن النمو في الأشهر القليلة المقبلة، وبالطبع لا توجد مؤشرات عن مثل هذا النمو في العام المقبل، خصوصا أن العالم يتطلع إلى عملية تعاف سريعة، تعيد الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل انتشار وباء كورونا المستجد. لكن هذا التعافي ليس مضمونا، مع ارتفاع معدلات البطالة حول العالم، وزيادة مستويات الفقر في عشرات الدول، ولا سيما النامية منها، وخرجت قطاعات بأكملها من السوق، وتعرضت القطاعات كلها إلى خسائر فادحة، وفي مقدمتها الخدمات والسياحة والسفر وغيرها. فوفق البنك الدولي، فإن الركود الاقتصادي الراهن، هو الأعنف منذ أكثر من 80 عاما. في حين أكد وزير المالية البريطاني في أكثر من مناسبة، أن ما تمر به بلاده ليس سوى ركود هو الأعمق منذ 300 عام.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، فلا مجال للحديث عن نمو اقتصادي في العام المقبل على الإطلاق. فهناك التزامات مالية حكومية "ستأكل" كل نمو قد يحدث، بصرف النظر عن مستوياته في هذه الدولة أو تلك. لذا، فإن الانكماش الكبير لهذا الاقتصاد، سيؤثر في الفترة المقبلة، وربما سينعكس سلبا حتى على الأعوام المتبقية من العقد الحالي، بمستويات مختلفة. فحالات الإفلاس متزايدة، حتى القروض التي منحتها الحكومات والمعفاة من الفوائد، ليست مضمونة في الفترة المقبلة.
كل شيء بات مرتبطا مباشرة بسرعة التعافي، لكن نتائج هذا التعافي ستأتي في مرحلة لاحقة. لكن الأهم من كل هذا، أن تتمكن الدول من السيطرة على الانكماش الذي يضربها بقوة، والعمل على تحويله إلى نمو في أقرب وقت ممكن. لكن حتى هذه المهمة ليست مضمونة أيضا، في ظل عدم السيطرة على عدوانية كورونا حتى اليوم.
