وحول الحديث عن عودة الحيوانات البرية إلى أرض كانت ذات يوم جرداء في موضوع الاستثمار في الطبيعة والتنوع البيولوجي فإن المزارع تسيفاي كيداني توسع في تربية النحل من ثلاث خلايا إلى ما يقرب من 20 خلية، تصطف جميعا بنسق مرتب على قمة تلة في مزرعته، ويغطيها سقف من القش لحمايتها من الآفات. هذه الملقحات لا تنتج عسلا عالي الجودة فحسب، بل إنها أيضا تساعد النباتات والطيور والحيوانات البرية الأصلية التي عادت إلى أرض كانت من قبل قاحلة. كما عادت قرود كولوبوس السوداء لتعتلي الأشجار، وهناك ظباء صغيرة تسمى دك دك وحيوانات برية أخرى تجوب الغابات. ولاحظ كيداني أيضا مزيدا من الثعابين التي تلتهم بدورها الآفات كالقوارض.
وتقع مزرعة كيداني فيما يسمى بمنطقة سد المحيط الحيوي لمحمية كافا الانتقالية، حيث يسمح بالزراعة والتنمية الاقتصادية، "الحياة البرية التي كانت معرضة للانقراض من قبل، بدأت تعود الآن مع غرسنا لأشجار الظل في مزارع البن". ولا يسمح بممارسة الأنشطة البشرية في المنطقة الوسطى، فيما عدا لأغراض الرصد البيئي وبحوث الموائل الطبيعية. وتعج منطقة كافا الوسطى بالنباتات المحلية، فضلا عن كونها مستودعا ثريا للآلاف من سلالات البن. محمية المحيط الحيوي في كافا مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو ضمن برنامج الإنسان واحتياطيات المحيط الحيوي من أجل تشجيع التنمية المستدامة والعلوم المتكاملة، وللحفاظ على التنوع الحيوي والثقافي من خلال الشراكة بين البشر والطبيعة.
نحو نصف الأراضي الإثيوبية المرتفعة "التي تشكل ما يقرب من 45 في المائة من إجمالي مساحة البلاد" تآكلت بدرجة كبيرة، فيما تتكبد البلاد خسائر سنوية تعادل ما بين 2 و3 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي نتيجة تقلص الموارد الطبيعية والإنتاجية الزراعية.
وبشأن مصطلح الإدارة المستدامة للأراضي وبفضل برنامج الإدارة المستدامة للأراضي، يجري حاليا إدارة ما يقرب من 900 ألف هكتار من الأراضي بطريقة مستدامة، الأمر الذي يعود بالنفع على نحو 2.5 مليون نسمة. هذا الجهد أدى إلى تحسين سبل الحصول على المياه، والحد من تآكل التربة، وزيادة المحاصيل، وتنوع مصادر الدخل، وتحسين الأمن الغذائي ـ ما أدى إلى زيادة تأمين مصادر الرزق وتدعيم رأس المال البشري في البلاد. زيادة إنتاجية الأرض، والحفاظ على التربة والمياه أدى أيضا إلى تحسين التنوع البيولوجي بشكل عام. هذا الجهد الذي استمر عقدا من الزمن جعل إثيوبيا رائدة في الإدارة المستدامة للأراضي.
وعلى الرغم من هذه المكاسب، ما زال هناك واحد من بين كل خمسة أشخاص في البلاد يعيش على أرض جرداء. في حزيران (يونيو) من عام 2019، أقر البنك الدولي خطة العمل المناخي من خلال مشروع إدارة المناطق الطبيعية الذي سيقدم لحكومة إثيوبيا تمويلا على مدى خمسة أعوام بناء على النتائج بهدف التشجيع على اعتماد مزيد من ممارسات الإدارة المستدامة للأراضي، وزيادة تأمين حيازة الأراضي في المناطق الريفية. هذا البرنامج سيزيد مساحة الأراضي الإثيوبية المرتفعة التي يغطيها برنامج الإدارة المستدامة للأراضي من 7 في المائة إلى نحو 20 في المائة من إجمالي الأراضي التي تدهورت بدرجة كبيرة. وعلاوة على ذلك، سيكون من الممكن توسيع نطاق نهج الدفع بناء على النتائج للوصول إلى باقي الأراضي المتدهورة. مساندة البنك الدولي للإدارة المستدامة للأراضي تشمل إنشاء ممرات خضراء ـ وهي أشرطة متواصلة من غطاء نباتي من النباتات الأصلية، تربط الأراضي المستصلحة بمراكز التنوع البيولوجي وتساعد على استعادة مجمعات المياه حيث يتسنى للتنوع البيولوجي أن يزدهر. هذه الممرات ستعمل أيضا على تعزيز وسائل كسب الرزق، بما فيها تربية النحل التي تعد إحدى الصناعات المزدهرة في إثيوبيا. ثمة عنصر آخر بالبرنامج يتمثل في الدفع للخدمات البيئية وبحث سبل مكافأة المزارعين خاصة من أجل الحفاظ على التنوع البيولوجي.
وبشأن إطار عمل عالمي جديد للطبيعة تأتي مثل هذه الجهود التي تبذل في المناطق الريفية بإثيوبيا بينما تتعرض الطبيعة إلى ضغوط غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم. فلم يحدث أن كان مثل هذا الكم من النباتات والحيوانات على حافة الدمار ـ ما يقرب من مليون نوع "من بين ثمانية ملايين تقريبا معرضة لخطر الفناء". العام المقبل مهم للتنوع البيولوجي حيث تأتي اتفاقية التنوع البيولوجي في إطار عمل جديد سيحدد الأهداف الخاصة بالحفاظ على التنوع البيولوجي، والاستخدام المستدام له والمشاركة في فوائده، لتحل محل الأهداف التي تم وضعها منذ عقد مضى في آيتشي في اليابان.
المفاوضات حول الإطار العالمي الجديد تستنير بهذا الجهد الذي قام به البنك الدولي. على سبيل المثال، ستقدر جهود تصميم النماذج الاقتصادية المبتكرة الآثار الاقتصادية العالمية المترتبة على فقدان خدمات المنظومة البيئية، ورصد حلول السياسات الأشد تأثيرا من أجل اقتصاد أكثر عافية وكوكب أكثر صحة. كما يعكف البنك الدولي على إعداد ورقة موقف عن التنوع البيولوجي، ومساهمات الطبيعة من أجل البشر، وسيتم نشرها في وقت لاحق من هذا العام. بيد أن حسن النيات يحتاج إلى تمويل، وستتضمن الورقة المشتركة مع مؤسسة التمويل الدولية توصيات لفتح باب تمويل التنوع البيولوجي أمام القطاع الخاص، وإضفاء الصبغة البيئة على النظام المالي. هذا العمل سيرمي إلى إرشاد أهداف اتفاقية التنوع البيولوجي وإطار العمل الجديد.
