قطاع التكرير يعاني فائضا في الطاقات الإنتاجية

|
في بداية جائحة كورونا في آذار (مارس)، وعلى خلفية انهيار الطلب العالمي على النفط اضطرت المصافي في جميع أنحاء العالم إلى تقليص معدلات التشغيل. لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، حيث إن هناك مشكلة هيكلية جارية في قطاع التكرير العالمي حيث أدت موجة من الإفراط في بناء المصافي إلى زيادة طاقات التكرير، وهي مشكلة يمكن أن تستمر لأعوام. بين كانون الأول (ديسمبر) 2019 وآذار (مارس) 2020 انخفضت معدلات تشغيل المصافي في العالم بمقدار ثمانية ملايين برميل يوميا، وفقا لوكالة الطاقة الدولية، ومن المرجح أن تكون البيانات لنيسان (أبريل) أسوأ بكثير. مع ذلك، قالت الوكالة في تقريرها عن أسواق النفط لأيار (مايو): "لا يوجد دليل دقيق من أن معدلات تشغيل المصافي تراجعت بصورة كبيرة تتناسب مع تقديراتنا لانهيار الطلب على النفط". وتقدر الوكالة انخفاض معدلات التشغيل في الربع الثاني بنسبة 13.4 مليون برميل في اليوم على أساس سنوي.
لكن في الولايات المتحدة على الأقل، يبدو أن معدلات تشغيل المصافي وصلت إلى القاع وبدأت بالارتفاع من جديد. بالنسبة للأسبوع المنتهي في 22 أيار (مايو)، عالجت المصافي الأمريكية نحو 13.0 مليون برميل في اليوم من النفط الخام، ارتفاعا من 12.4 مليون برميل في اليوم قبل أسبوعين من ذلك التاريخ، على الرغم من أنها لا تزال منخفضة بنسبة ثلاثة إلى أربعة ملايين برميل في اليوم عن معدلاتها الطبيعية بسبب انهيار السوق. تجدر الإشارة هنا، إلى أن الطلب على البنزين قفز من 5.311 مليون برميل في اليوم في منتصف نيسان (أبريل) إلى 7.253 مليون برميل في اليوم بحلول 22 أيار (مايو)، في إشارة إلى ارتفاع الطلب.
ومع ذلك، بغض النظر عما تشير إليه البيانات الأسبوعية أو الشهرية، يواجه قطاع التكرير العالمي مشكلة كبرى، حيث استثمرت صناعة النفط في الأعوام القليلة الماضية عشرات المليارات من الدولارات في المصافي حول العالم، بما في ذلك نحو 52 مليار دولار عام 2019 وحده. أدى التوسع الاستثنائي في بناء المصافي الكبرى إلى طاقات تكرير مفرطة.
أدت أعوام عدة من الاستثمار المكثف في قطاع المصافي إلى تحقيق رقم قياسي من طاقات التكرير الجديدة بلغ 2.2 مليون برميل في اليوم عام 2019، بما في ذلك مصفاتان ضخمتان في الصين ملحقتان بمجمعات بتروكيمياوية وهما مصفاة هنجلي Hengli بطاقة 400 ألف برميل في اليوم والمرحلة الأولى من مصفاة تشجيانج Zhejiang phase 1 بطاقة 400 ألف برميل في اليوم أيضا. وتمثل الزيادة البالغة 2.2 مليون برميل في اليوم في طاقات التكرير في العام الماضي تناقضا صارخا مع نمو الطلب على النفط الضعيف إلى حد ما البالغ 0.8 مليون برميل في اليوم.
وعلى مدى الأعوام الخمسة المقبلة، هناك نحو 6.0 مليون برميل في اليوم من طاقات التكرير الجديدة تحت الإنشاء حاليا. من الجدير بالذكر أن هذا التوسع في بناء المصافي يأتي في وقت تدور فيه نقاشات بين المحللين حول ما إذا كنا قد وصلنا بالفعل إلى ذروة الطلب على النفط. حتى لو افترضنا أن الطلب لم يبلغ ذروته عند 100 مليون برميل في اليوم عشية تفشي جائحة كورونا، فسيستغرق الأمر بضعة أعوام قبل تجاوز هذا الحد مرة أخرى. هناك عدد قليل جدا من المحللين الذين يتوقعون الآن نمو الطلب بمقدار ستة ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2025.
ونتيجة لذلك، يمكن أن يكون كثير من المصافي في منطقة الخطر، لكن بعضها لديه نقاط قوة معينة تسمح له بمقاومة العاصفة. في هذا الجانب، تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن المصافي في منطقة الشرق الأوسط لها مزايا هيكلية بسبب قربها من المواد الأولية الرخيصة، في حين أن مجمعات التكرير الموجودة في آسيا قريبة من مراكز الطلب سريعة النمو. لكن، المصافي القديمة في الولايات المتحدة، أوروبا، واليابان في وضع أكثر تحديا. على سبيل المثال، تم إغلاق نحو مليوني برميل في اليوم من طاقات التكرير في اليابان وأوروبا منذ 2013. كما تم تحويل عديد من المصافي الأوروبية إلى مصاف لإنتاج الوقود الحيوي.
وفي الوقت نفسه، من المقرر أن تتحول هيكلية الكيان المؤسسي للمصافي بشكل متزايد في الاتجاه الذي تديره الدولة. وذلك لأن المصافي الجديدة قيد الإنشاء في الشرق الأوسط وآسيا تقودها في الأغلب الشركات الوطنية المملوكة للدولة. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن شركات النفط الوطنية تمتلك نحو 30 في المائة من المصافي العالمية العاملة، لكنها تمتلك نحو 46 في المائة من المصافي الجديدة قيد الإنشاء. إن جميع هذه التحولات في قطاع التكرير - زيادة طاقات التكرير، الضغط على المصافي الضعيفة، والتحول نحو سيطرة الدولة - من المحتمل أن يتم تعزيزها نتيجة لأزمة 2020.
كما سيتم تضخيم التفاوت الجغرافي على المدى القصير في ضوء كيفية التعامل مع جائحة كورونا. لقد تعاملت الاقتصادات الآسيوية مع الوباء بشكل أفضل وتتعافى بشكل أسرع من أوروبا والولايات المتحدة. تشهد المصافي في تلك الدول تحسنا في ظروف السوق.
في ظل هذه الظروف والتحديات الصعبة، قد تسهم جهود المصافي الأكثر مرونة، ليس فقط في آسيا، للحصول على حصة أكبر في السوق، في دفع المصافي الأكثر ضعفا خارج السوق، ما يؤدي في النهاية إلى تخفيف بعض الضغط على المدى المتوسط إلى الطويل.
إنشرها