مزايا تطبيق المراحل الكاملة لرسوم الأراضي

|
تلخص الجزء الأول من مناقشة فكرة الاستعاضة خلال الفترة الراهنة عن رفع ضريبة القيمة المضافة، بالتطبيق الكامل لجميع المراحل التنفيذية الأربع لنظام الرسوم على الأراضي في أكبر 30 مدينة في المملكة على أقل تقدير، والحديث عن أبرز الآثار العكسية المحتملة على الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص، نتيجة رفع الضريبة في ظل الأوضاع الراهنة غير المواتية اقتصاديا، منعا لتعرض الاقتصاد لأي من الصدمات المعاكسة.
يتمتع الحل البديل، وفقا للظروف الاقتصادية غير المواتية على الاقتصاد العالمي بأسره، ممثلا ببدء تطبيق جميع مراحل نظام الرسوم على الأراضي البيضاء في أكبر 30 مدينة في المملكة على أقل تقدير، بكثير من المزايا والفوائد التي لا حصر لها، ووفقا للتقديرات المتحفظة يتوقع أن ترتفع متحصلات المالية العامة للدولة منها خلال العام الأول إلى نحو 275 مليار ريال "يمثل نحو 30 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية خلال 2019، ونحو 83 في المائة من الإيرادات غير النفطية للعام نفسه"، لعل من أبرز تلك المزايا المتوقع أن يجنيها الاقتصاد الوطني والمالية العامة، التي تتجاوز مجرد زيادة الإيرادات العامة للدولة دون إحداث ضغوط على القطاع الخاص "الجزء المنتج من الاقتصاد الوطني" والمجتمع على حد سواء، إلى خفض تكلفة الإنتاج والتشغيل على القطاع الخاص، من خلال الانخفاض المتوقع في أسعار وتكاليف تملك الأراضي والعقارات إيجاراتها، الذي سيتيح له ارتفاع أكبر في هوامش أرباحه، بما يمكنه عن جدارة من الإبقاء العمالة الوطنية المشتغلة لديه، إضافة إلى استفادة منشآت القطاع الخاص من انخفاض تكاليف المعيشة على أفراد المجتمع بانخفاض أثمان تملكهم مساكنهم وإيجاراتها السنوية، ومساهمة ذلك في ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي المحلي، ودور ذلك في زيادته للتدفقات الداخلة على القطاع الخاص، وتنشيط الاقتصاد الوطني، وكل ذلك من شأنه بكل تأكيد أن يسهم في رفع قدرة القطاع الخاص على إيجاد مئات الآلاف من الوظائف الجديدة أمام الباحثين والباحثات عن عمل من المواطنين، الذي سيؤدي بدوره في نهاية المطاف إلى عودة وتيرة النمو بصورة قوية إلى الاقتصاد الوطني.
كما سيكون من أبرز المزايا التي يجب ذكرها، أن الانخفاض المتوقع في الأسعار المتضخمة للأراضي والعقارات وتكاليف إيجاراتها، سيؤدي إلى انخفاض عديد من أبواب الميزانية العامة للدولة كتكاليف إيجارات المقار الحكومية المستأجرة، وبنود الدعم والإعانات الاجتماعية، إضافة إلى خفض حجم القروض العقارية اللازمة لتملك أفراد المجتمع مساكنهم، سواء من حيث القيمة الإجمالية أو من حيث نسب الاستقطاع الشهري لسداد مستحقاتها، والتسريع بنسبة أكبر في اتجاه تحقيق هذا الهدف التنموي الاستراتيجي من خلال زيادة أعداد المستفيدين، ومن خلال تقليص المدد الزمنية لسداد مستحقات سداد القروض العقارية المترتبة عليها. كما سيسهم ذلك في زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي على الاقتصاد الوطني وزيادة الاحتياطي من العملات الأجنبية، بعد زوال أحد أكبر معوقات تدفقاته الناتجة عن الغلاء الكبير في تكاليف الأرض كأحد أكبر البنود في تكلفة الاستثمار محليا، والتحول الكبير المرتقب لاتجاه الثروات والأموال الوطنية من مجرد تخزينها واكتنازها في أراض جرداء أو المضاربة عليها، لتتجه مباشرة إلى توظيفها في مشاريع إنتاجية متعددة، تسهم في تحقيق مزيد من تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتوجد مئات الآلاف من الوظائف المجدية أمام الموارد البشرية الوطنية، وكل ذلك سيصب في تعظيم الاقتصاد الوطني ويزيد من متانته واستقراره ويخفض من اعتماده المفرط على النفط كأكبر مصدر للدخل. وجديرا بالذكر هنا، أن تحقق تلك المزايا سيسهم في الأجل الطويل في زيادة أكبر لإيرادات الضرائب والرسوم الحكومية الأخرى، ومن ضمنها ضريبة القيمة المضافة، نظرا إلى تعاظم حجم الوعاء الضريبي، وليست هذه المزايا المرتقبة إلا جزءا يسيرا من مزايا أوسع أكبر بكثير لم يتسع المجال لذكرها هنا.
ختاما، لا بد من الكشف عن خطأ فادح وقع فيه كثير من المهتمين، القائل إن انخفاض أسعار الأراضي والعقارات يهدد استقرار القطاع التمويلي، كونها تمثل مجتمعة أحد أكبر الرهونات والضمانات الموضوعة للقروض القائمة على القطاع الخاص، وبناء عليه لا بد من حمايتها من الانخفاض! في الوقت ذاته الذي تجاهلت خلاله تلك النظرة الخاطئة جدا، الأهمية الأكبر للمحافظة على قدرة الشركات والمنشآت المقترضة على سدادها المنتظم لتلك القروض، وأن المحافظة على وجود وحياة تلك المنشآت يتقدم بدرجات أكبر على ما سواه من اعتبارات، كونها الطرف القادر على الوفاء بمستحقات البنوك، عدا ما يمثله بقائها قائمة وقادرة من أهمية أكبر للاقتصاد الوطني والمجتمع. فيما لو سمح لها بالسقوط وتعثرت عن الوفاء بما عليها من مستحقات، وحصل أن استحوذت البنوك والمؤسسات الممولة على الرهونات والضمانات من أراض وعقارات، وقامت لاحقا بعرضها في مزادات عقارية وفقا للأنظمة المعمول بها، التي ستكون في مثل الظروف الراهنة كثيرة العدد، سيحدث أن تتعرض تلك الأراضي والعقارات لانخفاضات حادة جدا أكبر مما تم خشيته سابقا، نظرا إلى ضعف القدرة الشرائية لدى المستثمرين والأفراد، والوقوع من ثم في خسائر اقتصادية مضاعفة وغير قابلة للتعويض!
لذا، لا بد من تصحيح هذه النظرة الخاطئة الفادحة لدى من يعتقد بها، وأن يتحول باهتمامه كما يجب إلى الجزء الأهم القادر على الوفاء بسداد المستحقات عليه، لا أن يتركز اهتمامه على المحافظة على قيمة الضمان الذي رغم أهميته، إلا أنه لا يصل أبدا إلى الأهمية القصوى المفترض أن يحظى بها مالك ذلك الضمان، الطرف الأكثر قدرة على الوفاء بالمستحقات القائمة عليه تجاه الأطراف الدائنة.
إنشرها