التجربة السعودية في العلاقات العامة

|
عرفت بلادنا صناعة العلاقات العامة قبل أكثر من 50 عاما عن طريق شركة أرامكو يوم كانت سعودية - أمريكية، وقد أسست إدارة العلاقات العامة فيها على أسس علمية حديثة، وبرزت أسماء سعودية في إدارتها مثل فهمي بصراوي، محمود المشهدي، عبدالله جمعة، وعلي العجلان. ثم استفادت من التجربة جهات حكومية عديدة وأوجدت إدارات قوية للعلاقات العامة في تلك الجهات، وكان يتم تعيين شخصيات مؤثرة وفي الأغلب من الكتاب والمثقفين لتولي هذه الإدارات، ويكفي أن أذكر مثالا على ذلك الأديب والشاعر سعد بن عبدالرحمن البواردي "متعه الله بالصحة والعافية" الذي تولى إدارة العلاقات العامة في وزارة المعارف لأعوام عديدة. حتى الجهات العسكرية اختارت المثقفين من العسكريين لتلك المناصب. وفي 1974 عقدنا أول اجتماع لمديري العلاقات العامة في الدوائر الحكومية، وكنت حينها مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة المالية والاقتصاد الوطني، وركزنا في الاجتماع على تطبيق التعريف العلمي للعلاقات العامة كما ورد في قاموس أكسفورد وهو "الفن القائم على أسس علمية لبحث أنسب طرق التعامل الناجحة المتبادلة بين المنظمة وجمهورها الداخلي والخارجي لتحقيق أهدافها مع مراعاة القيم والمعايير الاجتماعية والقوانين والأخلاق العامة في المجتمع" وقد أكدنا وباقتراح مني أن ترتبط إدارة العلاقات العامة بالمسؤول الأول في الجهاز وإلا فإنها لن تستطيع تحقيق أهدافها على الوجه المطلوب. وجاء هذا الاقتراح بعد تجربة ناجحة للعلاقات العامة في وزارة المالية حيث كان الارتباط بالوزير محمد أبا الخيل مباشرة وتلقي توجيهاته حول طريقة النشر عن موازنة الدولة وهي أهم حدث اقتصادي في ذلك الوقت وكذلك تنظيم المؤتمرات والنشاطات المتعلقة بالشأن الاقتصادي.
وتم الأخذ بهذه التوصية وربطت إدارات العلاقات العامة بالوزير أو الوكيل في معظم الجهات الحكومية، وأصبحت الوظيفة في جهاز العلاقات العامة مغرية لأنها قريبة من صانع القرار ولذا تم افتتاح أقسام للعلاقات العامة والإعلام في عدد من الجامعات وصدرت عن بعض هذه الإدارات مجلات على مستوى عال من المواد من حيث المادة والإخراج على غرار مجلة "قافلة الزيت"، التي ما زالت تصدرها شركة أرامكو حتى الآن. وبعد أعوام من النجاح حدثت نكسة نتيجة جعل اختصاص العلاقات العامة يقتصر على المراسم والتشريفات أي استقبال وتوديع الضيوف بعيدا عن أهدافها الأخرى في مجال الإعلام وإظهار الصورة الحقيقية للمنظمة أمام الرأي العام، مع الاهتمام بتحسين بيئة العمل والترابط بين الموظفين داخليا. ومن هنا أصبحت إدارات العلاقات العامة مكانا مريحا لمن لا يريد أن يعمل وتراجعت التجربة الناجحة في مجال العلاقات العامة مع الأسف.
وأخيرا: بدأ الاهتمام بالعلاقات العامة من جديد وأصبح المتحدث الرسمي لكل جهة حكومية واجهة مشرقة ينتظرها المشاهدون والمتابعون، وتولى مركز التواصل الحكومي في وزارة الإعلام تدريب المتحدثين والعاملين في العلاقات العامة الحكومية وتطويرها بصورة عامة ودعمها بالتقنية الحديثة، والأمل كبير أن يفتح هذا الاهتمام نافذة توظيف لشبابنا المؤهل في هذا المجال في القطاعين العام والخاص.
إنشرها