أسواق النفط قد تواجه أزمة إمدادات حادة

|
تخفيضات الإنتاج، سواء كانت من قبل تحالف "أوبك +"، أو بسبب تكاليف الإنتاج العالية إلى حد كبير، ألغت تأثير التراجع الحاد في الطلب العالمي على النفط من ذروته القياسية التي بلغت أكثر من 100 مليون برميل إلى أدنى مستوى وصل إليه أخيرا فوق 70 مليون برميل في اليوم، في حين تبدو أسعار خام غرب تكساس عالقة في نطاق 30-35 دولارا للبرميل أو نحو ذلك. على الرغم من ذلك، آخر شيء يتوقعه المضاربون هو احتمال أن تنقلب أسواق النفط رأسا على عقب من تخمة العرض إلى أزمة العرض. ومع ذلك، يجدر إلقاء نظرة على ذلك من خلال زاوية مختلفة تكشف ما هو غير متوقع، أزمة إمدادات النفط ليست بعيدة تماما عن السيناريوهات المحتملة كما قد يتصور البعض.
لقد أثار انهيار أسعار النفط الكبير موجة تخفيضات ضخمة في الإنفاق الرأسمالي على المشاريع من قبل أغلب شركات النفط والغاز. يظهر تقرير نشرته شركة Rystad Energy أن الإنفاق الرأسمالي العالمي من قبل شركات الاستكشاف والإنتاج من المرجح أن ينخفض بمقدار 100 مليار دولار هذا العام إلى نحو 450 مليار دولار وهو أدنى مستوى في 13 عاما، حيث تمنح شركات النفط والغاز الأولوية للسيولة مع محاولة كثيرين الحفاظ على الأرباح. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذا يمثل السيناريو المرجعي للشركة الذي تتوقع فيه أن يبلغ متوسط أسعار النفط 34 دولارا للبرميل على مدار العام، في حين أن أسوأ سيناريو يمكن أن يشهد انخفاض الإنفاق الرأسمالي إلى 380 مليار دولار عام 2020 و300 مليار دولار فقط عام 2021.
على الرغم من أن هذه التخفيضات تعد كبيرة بجميع المقاييس، إلا أنها لا تعطي الصورة الكاملة لتداعيات حجم الانخفاض، حيث إن الإنفاق الرأسمالي العالمي لشركات الاستكشاف والإنتاج ظل باستمرار أقل من المستويات المسجلة خلال الجزء الأول من العقد الماضي 2010-2014.
في الوقت الذي كانت فيه صناعة النفط الصخري في الولايات المتحدة تمر بمرحلة نشاط حفر غير مسبوق مدفوع بالديون، كان بقية منتجي النفط في العالم الذين يتوقعون انخفاض أسعار دائم بدأوا في تقليص الإنفاق بشكل جدي. حيث تراجعت استثمارات النفقات الرأسمالية العالمية بنسبة 66 في المائة بين عامي 2014 و2016 لتصل إلى 322 مليار دولار ولم تتعاف بالكامل على الإطلاق. بلغ الإنفاق العالمي لشركات الاستكشاف والإنتاج عام 2019 ما يقدر بنحو 546 مليار دولار، وهو أقل بكثير من 880 مليار دولار المسجلة عام 2014 خلال الطفرة الأخيرة في أسعار النفط. إن تخفيضات الإنفاق الأخيرة أرجعت الصناعة 13 عاما إلى الوراء.
من الواضح أنها فقط مسألة وقت قبل أن يبدأ الإنتاج العالمي في المعاناة. يأتي ما يقرب من 60 في المائة من إنتاج النفط العالمي من 25 حقلا نفطيا فقط معظمها في منطقة الشرق الأوسط بمتوسط عمر يزيد على 70 عاما ويواجه بالفعل معدلات تراجع سنوية Decline rate بنسبة 6-7 في المائة. السؤال هنا هو: ما مدى أهمية نقص الإنفاق في تحديد العرض المستقبلي؟ تقرير وكالة الطاقة الدولية السنوي لعام 2018 عن توقعات الطاقة العالمية يسلط الضوء على هذا الجانب ضمن سيناريو السياسات الجديدة.
فوفقا للوكالة ستنخفض إمدادات النفط العالمية بأكثر من 45 مليون برميل في اليوم إذا لم يتم إجراء استثمار في الحقول القائمة أو الجديدة بين عامي 2017-2025. حتى الاستثمارات المستمرة في الحقول الحالية دون تطوير حقول جديدة، سيؤدي إلى انخفاض ما يقارب من 27.5 مليون برميل في اليوم خلال الفترة المتوقعة، نتيجة ما يعرف بالتراجع الظاهري apparent or observed decline rate. حتى إذا افترضنا أن الطلب العالمي على النفط سينخفض بمقدار عشرة ملايين برميل في اليوم في الفترة ما بعد جائحة كورونا، فإن ذلك سيبقي فجوة كبيرة بين العرض والطلب تبلغ 17.5 مليون برميل في اليوم. هذا يشير إلى أن الإنتاج يمكن أن يتأثر إلى حد كبير إذا ظل الإنفاق عند المستويات الحالية لمدة عامين إلى ثلاثة أعوام أخرى.
مع وصول إنتاج معظم الدول خارج "أوبك" إلى ذروته وبدأ بعضها بالهبوط، فإن النفط الصخري الأمريكي يعده البعض مصدرا بديلا. وفي تقرير الوكالة، كان من المقرر أن يسد إنتاج النفط الصخري الأمريكي نحو ثلث الفجوة بين العرض والطلب من خلال توفير 11 مليون برميل في اليوم من سوائل النفط الصخري "نفط خام، المكثفات، وسوائل الغاز الطبيعي NGLs. لكن قطاع النفط الصخري أعلن بالفعل تخفيضات في الإنفاق بنسبة 30 في المائة، ويمكن أن يشهد انخفاض الإنتاج بمقدار مليوني برميل في اليوم عام 2020. يحتاج معظم منتجي النفط الصخري في حوض البيرميان وإيجل فورد إلى 46 دولارا للبرميل في المتوسط لحفر آبار جديدة و51 دولارا للبرميل في حوض باكن. مع استمرار عمليات إغلاق الآبار، يمكن أن يفقد النفط الصخري بشكل دائم 10 في المائة من الإنتاج في الآبار الحالية حتى بعد إعادة فتحها.
وفقا لتقرير وكالة الطاقة الدولية، منذ عام 2014، كان المتوسط العالمي لاحتياطيات النفط المعتمدة في تطوير مشاريع النفط الخام التقليدية الجديدة سنويا أقرب إلى ثمانية مليارات برميل، أو نحو نصف ما هو مطلوب لتلبية الطلب العالمي بالكامل بحلول عام 2025. وقدر التقرير نفسه أن إنتاج سوائل النفط الصخري في الولايات المتحدة سيحتاج إلى زيادة إضافية بمقدار ستة ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2025 لسد النقص.
في نهاية المطاف، سيتم تحديد مسار أسواق النفط العالمية من خلال سرعة انتعاش الطلب على النفط مع خروج الاقتصادات من الإغلاق. ومع ذلك، إذا اتضح أننا دخلنا حقا حقبة انخفاض أسعار دائم وأصبحت أسعار النفط الحالية هي القاعدة الجديدة، فإن الاستثمارات النفطية ستعاني بالتأكيد، ثم إنها فقط مسألة وقت قبل أن نبدأ في مواجهة أزمة إمدادات حادة.
إنشرها