«الاستشراف» صناعة وليس ترفا فكريا «1»

|
الدراسات المستقبلية، أو استشراف المستقبل، خليط من الماضي وخبراته المتراكمة والمعلومات المتاحة والمستخلصة منه للموضوع أو الظاهرة محل الدراسة، والحاضر بمعطياته. استشراف المستقبل أحد أهم أدوات التقدم والتطور في جميع النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية وغيرها، وليس ترفا فكريا. أرى أن جل دول العالم والشركات بعد جائحة كورونا كوفيد - 19، ستركز بصورة أقوى، وفاعلية أكثر على هذه الأداة الضرورية التي، ستعود عليهم بفوائد جمة إذا ما أحسن استخدامها والتعامل معها لتحجيم عنصر المفاجأة الذي أصاب جميع القطاعات في مقتل، والأرقام تشهد بذلك.
الخطط الاستراتيجية على مستوى الاقتصاد الكلي أو الجزئي لن تكتمل أركانها، ولن تتحقق أهدافها المرجوة إلا بوجود مراكز معتبرة تقوم بصناعة دراسات مستقبلية استشرافية مبنية على بيانات ذات جدوى، يقوم بمعالجتها مختصون فينتج عن ذلك معلومات ذات قيمة تغذى بها هذه الدراسات، فتنعكس إيجابا على مخرجاتها ودقتها. وصفتها بالصناعة لاعتقادي التام أنها فعلا كذلك، فهي صناعة معقدة وحساسة، أشبه ما تكون بخط إنتاج حقيقي، يتطلب مدخلات تخضع لمواصفات ومقاييس دقيقة، يتطلب فريقا فنيا مختصا متمكنا في تشغيله وصيانته وتقويم انحرافه، فريقا يعي تماما مواصفات وجودة المنتج النهائي المحددة، وفريقا مختصا في عملية التطوير المستمر بناء على التغيرات، التي تطرأ لأي سبب كان. مخرجات الدراسات الاستشرافية ليست مسلمات ذات طبيعة جامدة، بل يجب أن تتصف المراكز المختصة بهذا النوع من الدراسات بالديناميكية ومتابعة المتغيرات التي تطرأ على مدخلات المواضيع محل الدراسة دوريا، لتقييمها وتقويمها. الدراسات الاستشرافية يختلف مداها الزمني بحسب الأهداف المحددة، ومن أبرز تصنيفات المدى الزمني للمستقبل هو تصنيف "مينيسوتا" الذي قسم الأبعاد المستقبلية إلى خمسة أبعاد.
أولا: المستقبل المباشر، ويمتد من عام إلى عامين.
ثانيا: المستقبل القريب، ويمتد من عامين إلى خمسة أعوام.
ثالثا: المستقبل المتوسط، ويمتد من خمسة أعوام إلى 20 عاما.
رابعا: المستقبل البعيد، ويمتد من 20 إلى 50 عاما.
وأخيرا: المستقبل غير المنظور ويتجاوز أكثر من 50 عاما. عند استشراف المستقبل لا يمكن إغفال جانب الاحتمالات المبنية على مدخلات دقيقة، وخبرات متراكمة تجيد قراءة المؤشرات المرتبطة بالموضوع أو الظاهرة محل الدراسة. الاحتمالات تراوح بين الممكن تحقيقه انطلاقا من قوة المؤشرات وحسن قراءتها، والمحتمل تحقيقه، والمفضل تحقيقه بناء على انعدام أو محدودية المؤشرات لكليهما على التوالي. قطاع الطاقة بأقسامه المختلفة يجري عليه ما يجري على غيره، فاستشراف مستقبله في اعتقادي مهم جدا، بل ضرورة ملحة لجميع المنتجين والمستهلكين على حد سواء. وقد خصصت كثيرا من المقالات عن الطاقة ودورها المحوري في التطور الصناعي وبلوغ أعلى درجات المدنية. وسأسلط الضوء على هذه السلسلة من المقالات على أهمية ديناميكية مراكز الدراسات الاستشرافية في جمع المعلومات وتمحيصها، والتغير الكبير في دقة مخرجاتها أحيانا بناء على تطورات حدثت لم تكن في الحسبان، وانحرفت بشكل قوي عن الاحتمالات. في المقال المقبل من هذه السلسلة، سأسلط الضوء على مثالين من أرض الواقع فاجآ المراكز المختصة في استشراف المستقبل، أحدهما يخص قطاع النفط، والآخر قطاع الطاقة المتجددة.
إنشرها