السوق العقارية المحلية خلال النصف الثاني 2020

|
تتأهب السوق العقارية المحلية لخوض النصف الثاني من العام الجاري، وقد كابدت آخر عشرة أسابيع منذ اندلاع آثار انتشار الجائحة العالمية فيروس كورونا كوفيد - 19، بانخفاض قياسي في إجمالي قيمة صفقاتها يجاوز 75.3 في المائة، مقارنة بالمستوى المرتفع الذي بدأته مع مطلع هذا العام، ليستقر المتوسط الأسبوعي للصفقات عند أدنى من 1.0 مليار ريال، مقارنة بمتوسط أسبوعي سبق انتشار الجائحة فاق 4.3 مليار ريال. أدت تلك التطورات الأخيرة إلى تراجع إجمالي نشاط السوق العقارية خلال أول خمسة أشهر من العام الجاري بنسبة 28.7 في المائة إلى 54.2 مليار ريال، مقارنة بنحو 76 مليار ريال خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
ماذا يحمل مستقبل السوق العقارية لها خلال النصف الثاني من العام؟ وما المتوقع أن يعود عليها من آثار وانعكاسات مختلفة لتقدم وصعود عديد من المتغيرات، بدءا باستمرار تداعيات انتشار الجائحة العالمية وما يترتب عليها من اتخاذ عديد من السياسات المالية المحلية، كرفع ضريبة القيمة المضافة إلى 15 في المائة بدءا من مطلع الشهر المقبل مرورا بتنفيذ سياسات الترشيد في المالية العامة التي تستهدف إحكام السيطرة على عجز المالية والدين الحكومي حتى نهاية العام المالي الراهن؟ وما تحمله السلة الأكبر لبقية الآثار الاقتصادية والمالية في الأداء الاقتصادي الكلي، ومختلف منشآت القطاع الخاص، وأفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين على حد سواء؟ إضافة إلى التأثيرات الواقعة في سوق العمل المحلية على مستوى وظائف وأجور العمالة الوطنية، وفيما يتعلق بأعداد العمالة الوافدة المتوقع أن تنخفض بنسب تراوح بين 10 و15 في المائة حتى نهاية العام الجاري، وهي تلك التطورات التي تدخل ضمن عمليات التحول والتكيف الطارئة على منشآت القطاع الخاص، في إطار مواجهتها آثار انتشار الجائحة العالمية وما نتج عنها من إجراءات وتدابير تم اتخاذها سابقا والمتوقع استمرارها واتساعها مستقبلا، سيكون من أبرز آثارها في السوق العقارية المحلية: انخفاض أعداد السكان غير السعوديين من حيث زيادة شواغر الوحدات السكنية، ويقابله ارتفاع المعروض من تلك الوحدات، سواء بهدف التأجير أو البيع، إضافة إلى الانخفاض المحتمل على مستويات الأجور الشهرية للعمالة المستمرة في السوق "مواطنين، مقيمين".
أما بالنسبة إلى ضريبة القيمة المضافة بمستواها الأعلى، وقبل الحديث عن آثارها في السوق العقارية، فيجب التأكيد أن المواطن الذي سيتملك مسكنه الأول، سيكون معفى منها بما لا يتجاوز قيمة الشراء لذلك المسكن 850 ألف ريال، الذي يمنحه مساحة أوسع من الخيارات كما سيأتي إيضاحه. تكمن الأهمية الأكبر لتأثير هذه الضريبة في أنها ستؤثر بقوة في صميم عمليات التدوير والمضاربة المحمومة على الأراضي بكل أنواعها وفي جميع المناطق، وهو ما لم ينجح في إحداثه نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي ما زال في مرحلته التنفيذية الأولى في أربع مدن فقط، وكما هو معلوم تلعب تلك المضاربات وتدوير الأموال بأحجام ضخمة على الأراضي في مختلف مناطق المملكة دورا كبيرا في إشعال وصعود مستويات الأسعار السوقية، انعكست آثاره بصورة سلبية على بقية الأصول العقارية، سواء على مستوى أسعارها، أو إيجاراتها السكنية والتجارية على حد سواء، ومن هنا سيعمل المستوى الأعلى للضريبة على الحد كثيرا من تلك المضاربات بالغة الضرر، وسيقطع أجزاء كبيرة من طريق تغذية ارتفاع الأسعار السوقية دون وجود مبررات حقيقية، وبالتزامن مع تصاعد تأثير بقية العوامل الاقتصادية غير المواتية خلال الفترة الراهنة ومستقبلا، سيشكل كل ذلك قوى ضغط واسعة وثقيلة على المستويات السعرية المتضخمة الآن في السوق، وهو الأمر الجيد بكل تأكيد الذي سينعكس أثره الإيجابي الملموس على الأداء الاقتصادي الكلي، وأداء القطاع الخاص خصوصا، بما سيخفف كثيرا الضغوط الراهنة التي يواجهها القطاع المنتج والموظف من اقتصادنا الوطني، عدا ما سيحمله انخفاض الأسعار المتضخمة لمختلف الأصول العقارية وتكلفة إيجاراتها من مزايا جاذبة جدا للاستثمارات الوطنية والأجنبية، وتشجيعها على اقتناص الفرص الواعدة محليا، كان من أكبر المعوقات التي وقفت في وجهها طوال الأعوام الماضية، هو التضخم الكبير لأسعار الأراضي والعقارات وإيجاراتها، ومساهمته غير المبررة في رفع تكلفة الاستثمار وتأسيس الأعمال، الذي حد بدوره بالغ الضرر من النمو الاقتصادي واللازم للوظائف أمام الباحثين عنها من الموارد البشرية الوطنية.
وبغض النظر عن الارتفاع القصير والمتوقع لإجمالي قيمة صفقات السوق العقارية خلال الشهر الجاري، الذي سيسبق بداية تطبيق المستوى الجديد لضريبة القيمة المضافة مطلع الشهر المقبل، "ارتفعت قيمة صفقات السوق خلال كانون الأول (ديسمبر) 2017 بنسبة 120 في المائة قبل تطبيقها مطلع 2018"، يمكن القول إن السوق العقارية المحلية ستخوض خلال النصف الثاني من العام الجاري، طريقا بالغ الصعوبة على الاعتلالات التي ما زالت تسكن أحشاءها، والكثير من الممارسات التي أسهمت في تضخم الأسعار دون وجود مبررات حقيقية مقبولة، وهو ما سيمثل في الجانب الآخر مبشرات جيدة جدا لقوى الطلب المحلية، سواء من قبل منشآت القطاع الخاص التي تشكل جوهر القطاع المنتج والموظف من الاقتصاد الوطني، أو من قبل أفراد المجتمع الباحثين عن تملك مساكنهم بأسعار عادلة ومقبولة، ولا يشكل تحملهم أعباء القروض العقارية اللازمة لتمويلهم تكلفة كبيرة لآجال طويلة، قد تتسبب في زيادة الضغوط المعيشية عليهم، والمحافظة بذلك على استقرار القطاع التمويلي محليا، وتجنيبه كثيرا من مخاطر انكشافه على حالات تعثر واسعة، قد تهدد الاستقرار الاقتصادي المحلي. وللحديث بقية يتم من خلالها تناول بقية المتغيرات المقبلة على السوق العقارية المحلية - بمشيئة الله تعالى.
إنشرها