الاستقرار المالي وتطورات المؤشرات الاقتصادية

|
أصدرت مؤسسة النقد العربي السعودي "ساما"، الجمعة الماضي، "تقرير الاستقرار المالي 2020". وهو تقرير سنوي رفيع المستوى كتب بلغة مهنية. علما بأن المؤسسة بدأت بإصداره قبل أعوام قليلة.
الباعث على إصدار التقرير تزايد أهمية الاستقرار المالي، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية. فكل تقرير يستعرض مؤشرات السلامة في النظام المالي السعودي، ويعطي تقييما للموشرات الداخلية والخارجية المحتملة على القطاع المالي السعودي ونظامه. وتزيد أهمية هذا التقرير في وقتنا بالنظر إلى ما نشهده من أوضاع.
التقرير يحتوي على سبعة أبواب، حيث الأول يستعرض التطورات الاقتصادية والمالية العالمية، والثاني المحلية. أما الأبواب الثالث والرابع والخامس، فمخصصة لتطورات القطاع المصرفي وقطاع التأمين وشركات التمويل. وهذه الثلاثة تحت إشراف المؤسسة المباشر. والباب السادس لتطورات السوق المالية. وأخيرا، الباب السابع لاستعراض أنظمة ولوائح القطاعات المالية وسوقها.
عرفت المؤسسة الاستقرار المالي بأنه "حالة يتميز فيها النظام المالي بالثقة بعدم حدوث انقطاع كبير أو اضطرابات في أدائه". وتبعا لهذا التعريف يجب أن تتوافر في النظام المالي في أي دولة القدرة على تحمل الصدمات وإنجاز العمليات المالية وممارسة دوره وسيطا ماليا واستثماريا.
الاقتصاد العالمي
شهد العالم العام الماضي تراجعا في النشاط الاقتصادي. وأهم أسباب ذلك تصاعد الخلافات التجارية بين الدول. وقد بدأ هذا العام على أمل تخفيف حدة هذه الخلافات وتحسن الاقتصاد العالمي. لكن جائحة فيروس كورونا وما تبعها من إجراءات طوارئ وتدابير تحد من انتشار الفيروس أوقعت الاقتصاد العالمي في حالة كساد وعطالة وفقد وظائف لم يشهدها منذ عشرات الأعوام، بل إن بعض النشاطات شهدت حالة انهيار، واتخذت الدول تدابير تيسير مالية بهدف تخفيف تضرر الناس قدر ما يمكن. لكن لهذا التيسير المالي ثمن، فقد زاد خطر تكون ضعف في النظام المالي العالمي، وهي مخاطر موجودة من قبل مع تراكم الديون العامة في أغلب الدول.
الاقتصاد المحلي
على الصعيد الاقتصادي المحلي، شهد الاقتصاد نموا مناسبا العام الماضي. تركز النمو في القطاعين العام والخاص غير النفطي، فقد شهدت مؤشراتهما ارتفاعا، كإنفاق المستهلكين والنشاط العقاري والمالية العامة.
أما القطاع الثالث النفطي، فشهد العام الماضي تراجعا في الأرقام الحقيقية "تلك الأرقام تعني استبعاد أي تغير في الأسعار، والمقارنة تقوم فقط على التغير في حجم الإنتاج" بسبب خفض الإنتاج. لكني أرى أن من المهم التنبيه هنا على نقطة أساسية. خفض الإنتاج هدف، لأنه يزيد قيمة مبيعات الصادرات النفطية مقومة بالدولار مقارنة بعدم خفض الإنتاج. وحيث إن سعر صرف الريال لم يتغير، فهذا يعني أن دخل البلاد زاد حقيقة، أعني في العام الماضي مقارنة بعام 2018.
أما هذا العام، وباختصار، فنشهد ضعفا واضحا في النشاط الاقتصادي العالمي، وفي الطلب على النفط. ونحن جزء من هذا العالم. ومتوقع استمرار هذا الضعف على المدى القصير بين عام وعامين من الآن، حسب التحليلات العالمية والوكالات المهتمة بمتابعة نتاج النفط مثل وكالة الطاقة الدولية.
ماذا بشأن التضخم والفائدة؟ يلاحظ أن معدلات التضخم والفائدة منخفضة من حيث الوضع العام، وأسهم انخفاض الفائدة في نمو الاستثمار وحركة الإقراض. ما تأثير ذلك في التضخم في المستقبل القريب؟ موضوع يطول به المقال. ولعلي أكتب قريبا مقالا عن التوجه المتوقع للتضخم على المديين القصير والمتوسط.
المالية الخاصة والعامة
شهد القطاع المصرفي نموا ملحوظا العام الماضي 2019. من علامات هذا النمو ارتفاع الأصول ومستويات السيولة. مع ملاحظة أن ربحية القطاع انخفضت بسبب انخفاض دخل الفائدة. وتشير مؤشرات السلامة المتبناة من قبل مؤسسة النقد إلى استمرارية قوة القطاع المصرفي، وقدرته على مواجهة الصدمات.
بالطبع سيتراجع القطاع المصرفي هذا العام تبعا لتراجع الأنشطة. ويفيد تقرير مؤسسة النقد بأن هذا التراجع لن يؤثر سلبا في مؤشرات السلامة المالية للقطاع.
أما قطاع التأمين، فسجل نموا في الأقساط المكتتبة العام الماضي مقارنة بعام 2018. من أسباب ذلك توسع قطاع التأمين الصحي، لكن التأمين على السيارات شهد تراجعا بسبب الإصلاحات التنظيمية الهادفة إلى تخفيض تكلفة التأمين. ويفيد تقرير المؤسسة بأن قطاع التأمين يتمتع بملاءة من حيث الوضع العام. وفي الوقت نفسه لا تزال نسبة الخسارة عالية. والنتيجة انخفاض ربحية قطاع التأمين.
استمرت المؤسسة في تحسين وتطوير الإطار التنظيمي المالي، وانضباطه مع المعايير الدولية. وفيما يخص أسواق المشتقات المالية، اجتهدت المؤسسة العام الماضي في وضع قواعد منظمة لتسجيل التداول، ومتطلبات تخفيف مخاطر عقود التشغيل المالية غير المدرجة.
وفيما يخص المالية العامة، أسهمت فوائض الميزانية خلال الأعوام السابقة في خفض الدين العام واستمرار وتيرة النمو الاقتصادي رغم انخفاض أسعار النفط. وسهلت هذه الفوائض على الدولة تقديم دعم سخي حاليا لمواجهة آثار كورونا.
تطورات النظام المالي
حافظ قطاع أو جزء المصارف التجارية، وهو أكبر مكونات القطاع المالي، على مستوياته العالية من حيث رأس المال والسيولة. ويعد من أكبر القطاعات المصرفية ربحية على مستوى العالم. والفرصة متاحة لفتح مزيد من المصارف تحت الضوابط والأنظمة القائمة.
تتركز مخاطر المصارف التجارية في المملكة على الائتمان، لكنها مخاطر تحت السيطرة عموما، وتقابل بأصول جيدة. القروض المتعثرة دون حدود الخطر، لحسن إدارة مخاطر الائتمان. والانكشاف الخارجي للمصارف السعودية محدود، من الجهتين، الإقراض والاقتراض. وعموما، اعتمدت مؤسسة النقد على مجموعة واسعة من الإجراءات الاحترازية لضمان الاستقرار المالي في القطاع المصرفي قدر المستطاع. كما اتخذت المؤسسة خطوات استباقية تجاه قطاع مصرفية الظل "للتسهيل يمكن تعريف مصرفية الظل تعريفا تقريبيا بأنها عمليات الوسطاء والمؤسسات المالية الخاصة خارج القطاع المصرفي". وهذه المصرفية ممكن استخدامها في عمليات مالية غير مشروعة.
يعد تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي إضافة رائعة من المؤسسة في موضوعه. وحبذا لو أصدرت المؤسسة دراسة تحليلية بما تراه عن اتجاه الاقتصاد السعودي تحت ومع انتهاء الظروف الراهنة.
إنشرها