إعادة التشغيل تدريجيا مع الاحتراز والوقاية

|
استقبل الجميع إعلان المملكة استعادة أنماط ونشاطات الحياة تدريجيا من الغد، بكم هائل جدا من التفاؤل والفرح بعد إثبات أعلى معدلات درجات النجاح للجهود التي بذلتها الأجهزة الحكومية طوال نحو الثلاثة أشهر الماضية، والتعاون الكبير الذي وجدته من مختلف أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، ضمن الإطار الواسع لمواجهة انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا المستجد كوفيد - 19، وبدا استعداد الأطراف كافة لخوض تجربة إعادة التشغيل الشامل لأشكال الحياة، ومختلف قطاعات ونشاطات الاقتصاد عموما، باستثناء قليل من قطاعاته التي لا تحقق التباعد الجسدي، والتأكيد على الالتزام التام بالإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية، ممثلة في ضرورة التزام جميع الأفراد من مواطنين ومقيمين على حد سواء، باتخاذ جميع الوسائل والإجراءات المتعلقة بالحد من انتقال العدوى، مثل لبس الكمامة وغسل اليدين والتعقيم والتباعد الاجتماعي، وأيضا الالتزام التام بجميع التعليمات الصحية الوقائية والتباعد الاجتماعي، والحرص على المحافظة على حماية الفئات الأعلى خطرا من الإصابة، خاصة كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة وأمراض تنفسية.
كما أن هذه الأزمة العالمية التي خلفت وراءها كثيرا من الضحايا البشرية "أعلى من 350 ألف حالة وفاة حتى تاريخه"، والخسائر المادية الفادحة التي ناهزت 30 تريليون دولار، وانكماشا حادا في حجم الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية لم يسبق حدوثه منذ الكساد الكبير، أظهرت أيضا في جانب منها تمايزا كبيرا في قدرات المجتمعات والشعوب حول العالم في التعامل مع مثل هذه الأزمات الصادمة، وليس هذا - بالطبع - هو مقام المقارنة بين تلك المجتمعات والشعوب، بقدر ما أن ذكره يأتي للحديث عن كثير من الثمار الإيجابية للتجربة بالغة الصعوبة التي اكتسبتها المجتمعات البشرية في أثناء مواجهة هذه الجائحة، وأصبح واجبا عليها الالتزام بكثير منها ضمن أنماط وأشكال حياة ما بعد انتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد - 19، وأن على البشرية جمعاء التكيف مع الحقيقة الكبرى بأن حياتها بعد هذا الفيروس لم ولن تعود إلى ما كانت عليه قبله.
أظهرت تجربتنا في المملكة كثيرا وكثيرا جدا من النتائج والمفاجآت، منها ما كان إيجابيا، ومنها ما كان سلبيا، وقد كان لكلا الجانبين كثير من الاهتمام والحديث والنقاش، وسط عديد من دوائر العمل الحكومي والقطاع الخاص والمجتمع، ولعل من الجوانب التي كشفت عنها أزمة انتشار الجائحة العالمية لفيروس كورونا كوفيد - 19، ما ترتب عليها من سرعة اتخاذ الأجهزة الحكومية القرارات والإجراءات والتدابير اللازمة لها، وبعضها تم حله والبعض الآخر ما زال خاضعا لإجراءات الحل والتصحيح، بدءا من الممارسات المخالفة للأنظمة والتشريعات لدى عديد من منشآت القطاع الخاص، مرورا بالعشوائيات الإسكانية، سواء للعمالة الوافدة أو للسكان المقيمين غير السعوديين في كبرى المدن، ودورها الكبير في انتشار العدوى بالفيروس، وغيره كثير من تلك الممارسات التي استغرق وجودها وانتشارها عقودا طويلة ماضية، ولم تتم مقابلتها بالحل اللازم والرادع طوال تلك الأعوام الماضية، إلى أن قدر الله انتشار هذا الفيروس محليا، و"رب ضارة نافعة"، وما نتج عنه من سيطرة قناعة تامة بضرورة اجتثاث جميع أسباب وجود تلك التشوهات والممارسات المخالفة، وهو ديدن العمل الواجب استمراره لدى الأجهزة الحكومية كافة، حاضرا ومستقبلا، والواجب تكامل الجهود معه من قبل جميع منشآت القطاع الخاص، حتى أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، وفق ما تقتضيه الحاجة منهم وإليهم.
أثبتت تجربتنا المحلية مع هذه الجائحة العالمية الأهمية القصوى للاعتماد بصورة أكبر على المواطن في جميع المجالات، وأول تلك المجالات سرعة توطين الوظائف في القطاع الخاص، وأن يتم التركيز بدرجة أعلى على الوظائف القيادية والتنفيذية، والوظائف عالية الحساسية في قطاعات الصحة والبيئة والاتصالات وأنظمة الحاسب والمالية والاجتماعية، وغيرها من القطاعات الحيوية التي برزت أهميتها القصوى للجميع في أثناء المرحلة الراهنة، وتأكدت لنا جميعا المخاطر العالية جدا لارتفاع معدلات انكشافها على العمالة الوافدة.
وأثبتت أيضا أهمية الإسراع بخطوات وبرامج تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، والعمل على توجيه أكبر للاستثمارات نحو المجالات الحيوية والتنموية ذات الأولوية من حيث الاكتفاء الذاتي "قطاعات الصحة والغذاء والدواء والبيئة، وفي المجالات المتقدمة صناعيا وخدماتيا"، التي أثبتت مجددا أهميتها الاستراتيجية لأي اقتصاد أو مجتمع حول العالم، سواء في مثل تلك الأحوال التي تزامنت مع انتشار الجائحة، أو حتى في أثناء مراحل الاستقرار. إننا أمام ضرورات تقتضي العمل بشكل واسع على إعادة رسم وتصميم كامل البرامج والسياسات الاقتصادية الكلية، من خلال منظومة عمل تمثل الأجهزة الحكومية كافة وكبرى منشآت القطاع الخاص، تتولى مجتمعة النهوض بمقدرات الاقتصاد الوطني، ومعالجة جميع السلبيات، التي سمحت بتفاقم آثار أزمة الجائحة العالمية محليا.
ولعل من أكبر أوجه القصور تلك، الاعتماد المفرط على الأسواق الخارجية في المجالات الأكثر حساسية، كالدواء والغذاء، وأيضا الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة في الوظائف الأعلى حساسية وأهمية في سوقنا المحلية، والنقص الحاد في توطين كثير من الوظائف المهمة، وارتفاع المديونيات البنكية على كاهل كثير من الأفراد العاملين من المواطنين، وينصب وجه الانتقاد هنا على تجاوز تلك الديون جزءا كبيرا من قدرة الدخل للأفراد المقترضين، سواء على مستوى حجم الديون أو مستوى نسب الاستقطاع العالية، في الوقت ذاته الذي لا ينكر أهمية توفير التمويل اللازم لتلبية احتياجات الأفراد استهلاكيا أو عقاريا، إنما وفق ضوابط رشيدة تنأى بهم عن التورط في شدائد الحياة أوقات الاستقرار قبل أوقات الأزمات.
إنشرها