التصنيفات الائتمانية مهددة

|
"قد لا يتعافى الاقتصاد الأمريكي كاملا قبل العثور على اللقاح"
جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
تعيش الاقتصادات الكبرى حالة من الارتباك، لم تشهدها منذ الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، ودخلت ركودا هو الأعمق منذ الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة والعالم عام 1929. كل همها الآن الخروج من هذا الركود الناتج عن أزمة تفشي وباء كورونا المستجد، بأسرع وقت ممكن، لأن فشلها في تحقيق هذا الخروج يعني أن هذه الاقتصادات ستقترب من دائرة الكساد، الأمر الذي سيطيل الطريق نحو التعافي الاقتصادي. هذه الحالة تسري - بالطبع - على كل الاقتصادات في العالم، التي تتضرر دولها من هذه الجائحة الهائلة غير المتوقعة، في ظل تسيد الحديث عن الانكماش في الساحة كلها. والانكماش حصل بالفعل بنسب متفاوتة بين دولة وأخرى، لكنه صار أقرب للمؤشر الذي لا يهبط أبدا. فنسبة الانكماش في هذه الدولة اليوم، سترتفع غدا أو في فترة قصيرة جدا.
السياسيون ضمن البلد الواحد يختلفون حول استراتيجية إعادة تحريك الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، يطرح الجمهوريون في الولايات المتحدة معادلة بصورة غير مباشرة، وهي على الشكل التالي: لنترك الناس تعمل وقد ترتفع الإصابات بالفيروس، أو لنبق الاقتصاد مغلقا لينهار هذا الاقتصاد ويموت الناس. أما الخيار الثالث الذي لم يطرحه أحد مباشرة، لكن الجميع يعرفه، وهو أن دور الأثرياء الآن محوري، وعليهم أن يقبلوا بأن يصبحوا أقل ثراء، مقابل أن يحيا الجميع. بالطبع، هذا الخيار هو أقرب للفانتازيا منه إلى خطة اقتصادية واضحة. علما بأن بقاء الاقتصادات مغلقة يعني - ببساطة - تعرض أصحاب رؤوس الأموال إلى خسائر كبيرة جدا، مرتبطة بزمن الإغلاق، فضلا عن قطاعات بأكملها قد تخرج من السوق نهائيا.
لنترك هذا السجال الذي لم يعد محصورا في الولايات المتحدة، فكل الدول المتقدمة، دخلت بالفعل صراعات سياسية محلية حول إعادة فتح اقتصاداتها أو الإبقاء على الحالة الراهنة لأجل غير مسمى. في ظل هذا المشهد، تتعرض دول ومؤسسات بالعشرات لخطر تخفيض تصنيفاتها الائتمانية، التي تمثل في حد ذاتها مكتسبات راكمتها على مدى عقود من الزمن. ففي تحليل جديد لمؤسسة ستاندرد آند بورز المختصة بهذا النوع من التصنيفات، أشارت إلى إمكانية تعرض 111 دولة وشركة لخطر خفض تصنيفها الائتماني إلى عالية المخاطر. وهذه الإمكانية وصلت هي نفسها إلى مستويات مرتفعة في الأسابيع القليلة الماضية. وخفض التصنيف في هذا الوقت بالذات، سيضيف بالتأكيد أعباء جديدة لهذه الدول والشركات، التي تتعرض أصلا لضغوط هائلة لم يتوقعها أي مسؤول فيها قبل تفشي كورونا المستجد.
ومنذ مطلع العام الحالي بلغ عدد الدول والشركات التي تم خفض تصنيفها 24، ما يؤثر في ديون تصل إلى أكثر من 300 مليار دولار. المثير من التحليل المشار إليه أن للجهات المرشحة للخفض الائتماني، سندات بقيمة 444 مليار دولار. ومع نهاية العام الراهن، ووسط عدم وجود بصيص أمل لمحاصرة الوباء في الوقت الراهن، فإن هذه الأموال قد تصل إلى تريليون دولار، وفق التقديرات المطروحة. المسألة كلها باتت مرتبطة بمدى القدرة على فتح الاقتصادات بأقل أضرار صحية ممكنة، ومرتبطة أيضا بمدى تحمل هذه الدول أو تلك التعاطي مع تبعات الإغلاق. وهذا ما يفسر مثلا إعلان إسبانيا أخيرا أنها ستفتح كل شيء في الأيام القليلة المقبلة، وإيطاليا ستقوم بالخطوة نفسها مطلع الشهر المقبل. فالدول القادرة على التحمل لمدة أطول قليلة جدا.
خفض تصنيف هذا العدد الهائل من الكيانات والدول، لا يهدد الاستثمارات فيها فحسب، بل يضرب تدفقها إليها في المستقبل، حتى لو تم القضاء على كورونا عبر لقاح لم يظهر بعد، أو من خلال محاصرته بصورة محكمة. فهناك عشرات الدول التي تعتمد على هذا النوع من الاستثمارات لدعم اقتصاداتها، فضلا عن المؤسسات التي قد تدخل تحت الحماية الحكومية، وتخسر سمعتها على الساحة العالمية، إلى جانب الشركات التي قد تكون عملية إنقاذها خاسرة، وبالتالي لا مجال إلا لخروجها من السوق. وفي حال تم إعلان تخفيض التصنيف لهذا العدد من الجهات، فكثير من المستثمرين سيقومون ببيع سنداتهم والتحول لمؤسسات أكثر جدارة ائتمانية، وبالتالي سترتفع تكاليف اقتراض الجهات المشار إليها.
يخشى الجميع من خفض التصنيف بصرف النظر عن ماهيته. وفي هذا العام جرى - بالفعل - تجريد علامات تجارية كبرى من تصنيفاتها، مثل "فورد" و"كرافت" و"هاينز" و"رينو" و"ماركس آند سبنسر"، وفنادق كبرى، وغيرها من المؤسسات المعروفة دوليا. أما على صعيد الدول، فالأمر ليس أقل خطورة، خصوصا تلك التي كانت تستند إلى سمعتها الائتمانية لترويج استثماراتها. فهناك دول كبرى تعرضت في السابق لخفض تصنيفها، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا. وعلى هذا الأساس، ليس هناك جهة آمنة في هذا السياق. إنها مرحلة عسيرة على الجميع دولا وشركات وبشرا. هي الجائحة التي ضربت كل شيء.
إنشرها