القطاع العقاري والتحولات العميقة

|
شيئا فشيئا تظهر الآثار المؤلمة لأزمة انتشار فيروس كورونا في الاقتصاد، وأثبتت الأحداث الراهنة والإغلاق الكبير الذي جاء نتيجة الإجراءات الاحترازية لاحتواء المرض، أنه لن يفلت من مخالب هذه الأزمة أي قطاع كان، فلقد انطلقت الأزمة في شكلها الصحي لتصيب العمال، وتوقفت المصانع والشركات ذات العمالة الكثيفة فورا، وهذا استدعى آثارا أكثر إيلاما على قطاع الطاقة الذي برز كأول وأسرع من تأثر بهذه الجائحة، ثم تلت ذلك قطاعات عدة مختلفة، وبدا في أول الأمر أن هناك قطاعات بمأمن من هذه التداعيات. ولعل المستثمرين في القطاع العقاري كانوا يشعرون في بدايات الأحداث بأنهم بعيدون كل البعد عنها، خاصة مع خفض معدلات الفائدة والتحفيزات التي قدمتها الدول، لكن طول مدة الإجراءات والإغلاق الواسع النطاق الذي شكل العالم بأسره جعل القطاع العقاري في المرمى تماما.
القطاع العقاري يمثل العنصر الرابع من عناصر الإنتاج، فإذا أصاب الإنتاج العالمي عطب جسيم، فإن العقار لا بد أن يستجيب لذلك ولو بعد حين، فمع توقف الإنتاج بسبب الإجراءات وتوقف العمال تأثرت التدفقات النقدية لعديد من الشركات، خاصة تلك التي تعتمد على حركة مبيعاتها وسرعة دوران رأسمالها العامل لمواجهة مصروفاتها الشهرية، ولم تؤسس قاعدة من الاستثمارات التي تمدها بالتدفقات النقدية الجارية، فأظهر عديد من الشركات عدم قدرته على سداد مستحقات الإيجار، أو تسديد الدفعات الإيجارية للأصول الرأسمالية لديها، وهو ما دفع البعض إلى إعلان الإفلاس، كعديد من شركات تأجير السيارات، وشركات المطاعم ذات الفروع الواسعة الانتشار، والبعض بدأ فعليا باتخاذ خطوات قانونية من أجل تأجيل الدفعات وإعادة جدولتها. وفي هذا فإن للتشريعات والتنظيمات العقارية أثرا في تأخير أو تسريع الآثار التي تعصف بالقطاع العقاري حاليا من جراء مثل هذه الترتيبات القانونية التي بدأت بالانتشار.
هذه الإجراءات تجعل العوائد في القطاع العقاري في تراجع واضح، وهو ما سيؤثر حتما في قرارات الاستثمار، فسلسلة القيمة في القطاع العقاري تنتهي بالتأجير للمستفيد، فإذا تراخت هذه النقطة من السلسلة، فإن رغبة شركات التأجير في امتلاك مزيد من العقارات وتشغيلها ستتراجع حاليا، خاصة أن آفاق النمو وعودة النشاط الاقتصادي بعد كورونا لم تزل محل تقديرات يعمها الغموض، ومع تراجع التشغيل العقاري ستتراجع باقي السلسلة دون شك.
يشير تقرير عن أداء القطاع العقاري في أسواق منطقة الخليج، إلى أن هناك زيادة في المعروض ما يقود إلى تصحيح سعري بين 5 و10 في المائة حتى نهاية العام الجاري، كما يشير بعض التقديرات إلى أن سوق العقارات في الإمارات، مثلا، تأثرت بشكل واضح، خاصة بعد أن جرى تسليم 12 ألف وحدة سكنية في الربع الأول، تمثل 30 في المائة من المفترض تسليمها، ما يدل على أن المشترين يراقبون النتائج ويعدلون من قراراتهم، وهذا التأثير في القطاع العقاري في دبي جاء نتيجة سريعة لما شهده قطاع الفنادق من أزمة كبيرة حاليا وتوقف القطاع السياحي تماما. كما أن قطاع العقارات المكتبية تأثر بشكل واضح مع زيادة الاتجاه إلى العمل عن بعد، وسعي الشركات إلى تقليص مساحات المكاتب، وهذا التغيير قد يكون جوهريا ودائما، نتيجة الكفاءة الإنتاجية التي أثبتها العمل عن بعد. كل هذه التحولات لها آثار لا شك فيها على أساسيات الاستثمار في الأصول العقارية، وشكل وكمية الاستثمارات في القطاع، ذلك أن التقارير أشارت إلى تحولات عميقة بشأن انتعاش القطاع اللوجستي وزيادة الطلب على مساحات التخزين. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا النوع من الاستثمارات لن يستطيع تعويض التراجع في العوائد الناتجة من تراجع القطاعين السياحي والمكتبي.
لكن من المبكر الحكم على الأمر، خاصة أن القطاع العقاري لا يزال يمثل مخزنا للقيمة في كثير من الدول، وفي مقدمتها دول الخليج مثل البحرين، حيث لا يزال الطلب مستمرا ولا سيما القطاع العقاري السكني، كما أن تراجع الأسعار في هذا الجانب يغري أصحاب الثروات بمزية من الشراء، ما يعزز الطلب ويدعم القطاع، لكن هذا مرهون أيضا بالدعم الحكومي الذي تشهده المنطقة لتعزيز اقتصادها وتجنيبه الآثار الاقتصادية للإجراءات الاحترازية، وهذا يغري البعض بالتفاؤل لما بعد الأزمة وأن الطلب سيتزايد على العقارات، لأن الشركات ستعمل على تعويض حالة ركود باستكمال مشاريعها أو طرح مشاريع جديدة مع محفزات كبيرة لجذب المستهلكين. هذا التفاؤل يجب أن يكون بحذر على كل حال، فزيادة المعروض حاليا ستقود إلى تخفيضات.
عالميا، تبدو الصورة أكثر وضوحا مع تراجع الطلب في السوق العقارية البريطانية 40 في المائة خلال النصف الثاني من العام، خاصة مع طلب الحكومة البريطانية من السكان التوقف عن الانتقال من بيوتهم، وإذا كانوا قد أتموا صفقة شراء منزل أن يتفقوا مع البائع على موعد جديد للانتقال، وتضمنت الإجراءات الحالية، الامتناع عن معاينة المنازل المعروضة للبيع، وهذه النصائح تمثل "إغلاقا" للسوق العقارية. وما زاد الأمر سوءا، أن العقار في المملكة المتحدة يعاني أصلا تبعات اتفاق «بريكست»، كما يشير بعض الآراء، وما لوحظ من تغيرات عميقة في سلوك الأفراد وهجر الشقق الكبيرة، وهو ما رفع سقف المعروض من العقارات ذات المساحات الكبيرة.
أخيرا، فإن السؤال المهم والمطروح: هل سيتغير النشاط العقاري عقب انتهاء جائحة كورنا في كافة واجهات صفقات وعروض وأيضا تراجع الأسعار والانخفاض بشكل مخيف؟
إنشرها