الذرنوح القاتل

|

يتداول الناس مقولة "الأعشاب إن لم تنفع لن تضر" معتقدين أن الأعشاب آمنة، وأن لا ضرر من استخدامها، سواء مفردة أو مخلوطة مع بعضها، ولكن الواقع خلاف ذلك، فكم من نفس بريئة ذهبت ضحية هذا المفهوم الخاطئ. صحيح أن هناك أدوية عشبية مقننة ومجازة من هيئة الغذاء والدواء، وبالتالي استخداماتها معروفة وجرعاتها محددة ولا تصرف لأي شخص إلا بمعرفة المختصين، وصحيح أن كثيرا من الأدوية الصيدلانية المصنعة، في أصولها مستخرجة من نباتات طبية، تم فصل المركب الرئيس أو المركبات الرئيسة منها، ثم تشييدها بكميات كبيرة، إلا أن الخطورة البالغة تكمن فيما يقوم به بعض المعالجين الشعبيين والعاملين في محال العطارة، من إعطاء المرضى مستحضرات قد تكون قاتلة. أذكر قصة لأحد المعالجين الشعبيين في شمال المملكة قدر لي زيارته شخصيا أثناء إجرائنا مشروعا بحثيا دعمته وزارة الصحة، وكان عنوانه "الطب الشعبي السعودي - محاسنه ومساوئه". هذا المعالج كان يعطي المرضى الذين يعانون العقم وصفة شعبية تحوي بعض الأعشاب، وقد خلط معها مسحوق حشرة "الذرنوح" - وهي حشرة سامة تكثر وقت الربيع -، فكانت النتيجة أن توفي أحد مراجعيه بسبب ذلك، لأن هذه الحشرة تحوي مادة كيميائية سامة - تسمى كانثريدين - تؤثر في وظائف الكلى، وتسبب تخريشا للجهاز البولي وخروجا للدم مع البول، وهنا أشير أيضا إلى ما يعانيه صيادي الطيور المهاجرة خاصة الصغيرة منها، إذ يعمد البعض إلى أكلها كاملة دون تنظيفها والتخلص من أحشائها الداخلية، ولإن هذه الطيور تقتات على الحشرات خاصة الذرنوح، فإنه من الطبيعي أن يصاب الشخص بالتسمم نتيجة لتأثير الكانثريدين. إن بعض الشجيرات والأعشاب شديد السمية سواء في حالته الخام، كأوراق أو ثمار أو أزهار أو غيرها أو العصارات والسوائل اللبنية التي تخرج منها، ومن أشهرها في بيئتنا المحلية نباتات: العشر والغلقة والداتورا وغيرها، أو بعض نباتات الزينة كالدفلة والبفتة وغيرها، ولذا فإن القاعدة العامة هي، "لا يصح ولا ينبغي تناول أي نبات مجهول أو خلطة عشبية مجهولة المصدر، بل حتى الأدوية العشبية المقننة والمجازة من الهيئات الصحية، إلا وفق إرشادات المختصين بعد معرفة الحالة المرضية، ومن ثم تحديد الجرعة المناسبة والمدة اللازمة للاستخدام والتأكد من عدم تعارضها مع أدوية أخرى"، تجنبا للندم في وقت لا ينفع معه الندم.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها