عين على وباء كورونا والأخرى على العودة إلى العمل

|
يحتدم الجدال في العالم، خصوصا في الدول الغربية التي عانت الأمرين بسبب تفشي وباء كورونا، حول الطريقة الموائمة لرفع الإجراءات القسرية، التي أدت إلى تعطيل الحياة والاقتصاد والخدمات وإقفال المدارس والمؤسسات.
في بعض الدول والمناطق في الغرب كان الإقفال محكما، إلى درجة عدم السماح للمواطنين بمغادرة منازلهم إلا للضرورات القصوى.
والدول الغربية تتكئ على اقتصاد متنوع عموده الفقري التصنيع والتصدير. وفي هذه الدول نظم رعاية اجتماعية مكلفة للعاطلين عن العمل.
ومن حق أصحاب العمل إطلاق سراح عمالهم وموظفيهم، وهذا ما حدث بعد توقف المصانع والنشاطات الاقتصادية الأخرى، وعلى أثره ازدادت نسب البطالة بشكل لافت للنظر؛ وما كان على العاطلين، وهم بالملايين بعد قطع أرزاقهم، إلا اللجوء إلى حضن الدولة لحمايتهم وعائلاتهم.
ويكلف العاطل عن العمل هذه الدول كثيرا. فبالإضافة إلى خسارة دخل الضريبة على الراتب والخدمة التي يقدمها العمال والموظفون، تضطر الدولة إلى الإنفاق من خزينتها عليهم حال فقدانهم وظائفهم.
ويتحدث اليوم المحللون وعلماء الاقتصاد عن التأثيرات السلبية الكبيرة في الاقتصاد، ومجمل الأنشطة الأخرى في المستقبل في هذه الدول بعد فترة إغلاق طويلة نسبيا في بعض الدول.
حتى أمريكا التي يساوي اقتصادها ثلث الاقتصاد العالمي، بدأت تخشى من الإقفال ليس على مستقبل اقتصادها فحسب، بل على مكانتها كأعظم قوة اقتصادية وعسكرية في العالم.
ليس سهلا أبدا أن تقرر إقفال بلد سكانه عشرات الملايين، أو مدينة سكانها بضعة ملايين، لكن لم يكن باليد حيلة بالنسبة لهذه الدول أمام تفشي وباء كوفيد - 19.
لكن إن كان قرار الإقفال من الصعوبة بمكان، فيبدو أن محاولة هذه الدول العودة إلى العمل وممارسة الحياة بصورة طبيعية ليس من السهولة بمكان أيضا.
والسبب جلي، الجائحة لم تغادرنا وهي تتربص بنا في غياب عقار لشفاء المصابين بها أو مصل للحد من تفشيها.
وأغلب التوقعات تشير إلى أن الدول الغربية الصناعية الكبرى مثل: أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا ومعها دول غربية أخرى ممن لجأت إلى الإقفال التام أو الجزئي في الأشهر الأربعة الأخيرة، لن تتحمل اقتصاداتها تبعات موجة جديدة للوباء.
ولهذا تخطو هذه الدول صوب رفع الإقفال، كي تسير الحياة بصورة طبيعية بحذر شديد. عينها الواحدة على الوباء الذي يقف خلف الباب، وعينها الأخرى على الاقتصاد الذي سينهار إن لم تجر فيه الحياة من جديد.
وجراء الخشية الكبيرة هذه - الخشية من الوباء وانهيار الاقتصاد - صرنا نقرأ في الصحافة الغربية مواضيع تثير الشجون وأحيانا الشفقة، لأنها تشير أولا إلى ضعف الإنسان، وثانيا إلى تخبطه وقلة حيلته أمام الوباء المستجد هذا.
في إيطاليا مثلا هناك نقاش حامي الوطيس حول طريقة الجلوس التي يجب أن يكون عليها رواد المطاعم، والطريقة التي على النادل تقديم الطعام للزبائن بها.
كم يجب أن تكون المسافة بين زبون وآخر؟ هل يجب وضع لوحة بلاستيكية أو زجاجية بين زبون وآخر يجلسان على مائدة واحدة؟ ومن يجب أن يرتدي الكمامة والقفازات؟ ما المسافة المسموحة بين النادل والزبائن؟ وماذا ستكون ردة فعل زوج وزوجته قدما سوية إلى المطعم وفي سيارة واحدة، وإذا بهما يجلسان على مائدة فيها لوح زجاجي أو بلاستيكي يفصل بينهما؟
وماذا عن المدارس والجامعات، وماذا عن محال الحلاقة والمصانع؟ وهل سيعاد فتح المسارح ودور السينما وكيف؟ هل ستعاد النشاطات الرياضية وبأي صيغة؟ وماذا عن النقل العام؟ وكيف يجب على المسافرين الجلوس في الحافلات والقطارات والطائرات؟ وكيف يكون وضع العمال في المصانع؟
ومن ثم كيف سيكون النشاط الاقتصادي لنقل المطاعم ناجعا ومثمرا ومربحا، إن رفعنا الإقفال ووضعنا شروطا كثيرة للعودة إلى العمل؟
فرض التباعد الاجتماعي لنقل، مسافة متر واحد، سيقلص استيعاب المطاعم إلى نحو النصف، هل سيكون النشاط الاقتصادي ناجعا ومربحا في هذه الحالة؟ وكم ستكون الأسعار كي يصبح في إمكان صاحب العمل الاستمرار؟
وقس على ذلك أغلب النشاطات الاقتصادية في المضامير المختلفة من نقل وصناعة وخدمات وغيره.
ما بعد الجائحة لن يكون مثل ما قبل الجائحة. هذا قول صحيح، لأننا حقا نحن مقبلون على عالم جديد وطريقة حياة جديدة لم نألفها، لكن علينا التأقلم معها طالما بقي الوباء معنا.
هل كان قادة السويد من العلماء على معرفة مسبقة أن غلق البلد سيولد تبعات كثيرة عند فتحه قد تفوق في سلبياتها قرار التعايش مع الوباء؟
التعايش مع الوباء والاحتفاء به كأنه لم يكن، قرار اتخذته دولة غربية واحدة وهي السويد؛ ولهذا لا مشكلة لها اليوم مع تبعات العودة إلى العمل والجائحة تتربص بنا وتطل علينا بعيونها الخبيثة.
إنشرها