الاقتصاد العالمي .. تفاؤل بحذر

|

يجب ألا يتم أخذ تصريحات المدير العام لصندوق النقد الدولي، جرس إنذار أو تحذيرا بالغ الأهمية، ذلك أن الأسوأ قد مضى على كل حال، وأن الأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي - حاليا - نتيجة ما تم اتخاذه من إجراءات احترازية لم يشهد لها العالم مثيلا من قبل. فتصريحات المدير العام لصندوق النقد الدولي، تضع النقاط على الحروف، وتصف الحالة الراهنة تماما، فهي قراءة للمؤشرات الحالية التي تأتي من دول العالم كافة، وتشير - كما جاء التصريح - إلى أن الاقتصاد العالمي سيستغرق وقتا أطول أكثر مما كان متوقعا في البداية للتعافي كاملا من الصدمة الناجمة عن تفشي فيروس كورونا المستجد.

فإذا كان ظاهر الحديث عن خفض توقعات الصندوق لانكماش الناتج المحلي الإجمالي في 2020 نحو 3 في المائة، وأنه من المتوقع أن يحدث تعاف جزئي فقط في العام المقبل يقدر بنحو 5.8 في المائة، فإن المسألة في جوهرها أن الانكماش، الذي كان العالم قلقا بشأنه، قد حل وأصبح ضيفا ثقيلا، وإن عدلت بعض بياناته ومؤشراته، لكن التعافي المتوقع هو الضيف المنتظر وإن تراخت بعض سرعاته. من هنا، فإن التصريح في مجمله متفائل، ويعزز التوقعات بالنمو.


لكن يجب علينا فهم هذه التصريحات بحذر أيضا، وهنا نؤكد أن قراءة صندوق النقد الدولي للمؤشرات العالمية، من باب الاستقراء الناقص، ذلك أنها ركزت أساسا على معطيات الاقتصاد الكلي للدول. وفي الحقيقة، فإن الاقتصاد الكلي - عموما - تجاوز أزمته منذ قررت دول مجموعة العشرين ضخ سبعة تريليونات دولار، من أجل دعم الاقتصاد العالمي، كما أظهر الصندوق أنه قدم تمويلات طارئة إلى 56 دولة منذ بداية أزمة فيروس كورونا، بما يعادل 21 مليار دولار بأسعار فائدة منخفضة جدا، وهذه الإجراءات كفيلة بتعويض النقص الناتج في بيانات ومؤشرات الاقتصاد الكلي.

وكي نكون أكثر دقة، يجب علينا القول إن الاقتصاد الجزئي على مستوى المؤسسات والقطاعات قد تأثر تأثرا بالغا، وهناك تشوهات كبيرة حصلت في عديد من الأنشطة الاقتصادية، فالإغلاق الكبير تسبب في خسائر فادحة لقطاع الطيران - على سبيل المثال - وهناك عديد من الشركات حول العالم أصبحت غير قادرة على الاستمرار، وحتما ستواجه قضايا كبيرة من حالات إفلاس واسعة النطاق، وهذه الأحداث السيئة جدا لن تظهر بشكل صارخ ومخيف نوعا ما، إلا مع حلول موعد نشر القوائم المالية في نهاية العام الجاري، ونشر تقارير المراجعين الخارجيين. وهذا شبيه بالأحداث العاصفة التي حلت مع الأزمة المالية عام 2008، فرغم أن انهيار أسعار العقارات ظهر مبكرا، لكن لم يكتشف العالم مدى التدهور الذي حصل، إلا عندما نشرت البنوك قوائمها المالية في نهاية العام، وظهر حجم التآكل في رأس المال.


لذلك، فإن تفاؤل صندوق النقد الدولي صحيح على مستوى الاقتصاد الكلي، لكنه محل شكوك واسعة بشأن الشركات. ومن المتوقع أن تستمر حزم الإنقاذ وسياسات التمويل المنخفض الفائدة مدة، حتى يمكن للشركات والأفراد التعافي، كما أن سلوك المشترين تغير بشكل قد يصعب توقع اتجاهاته في المستقبل، ما يعزز احتمالات التغيرات الهيكلية في عديد من القطاعات الاقتصادية. لذا، فإن النظر إلى الحالة الاقتصادية الراهنة من خلال منظور الاقتصاد الكلي، نظر قاصر، ويجب أخذه بحذر عند اتخاذ القرارات الاقتصادية المختلفة. وتبقى أهم النقاط التي أشارت إليها المدير العام لصندوق النقد الدولي في مخاوفها من العودة إلى الحمائية. .

وهنا، نجد قراءة حذرة للحالة الراهنة، ومن خلال الاقتصاد الجزئي، ذلك أن الدول التي ستقدم دعما واسعا لشركاتها لتكون الأقدر على التوسع والسيطرة على حصص جديدة، ستعرض شركات الدول الأقل دعما إلى الخروج من الأسواق، وهذا في حد ذاته حافز كبير لتصاعد وتيرة الحمائية بين مختلف دول العالم، خاصة الولايات المتحدة والصين، من أجل تجنب هذه المعضلة - إن حدثت، فصندوق النقد الدولي يحث الدول الأعضاء على الحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، وكذلك تدفقات التجارة التي أعطت دعما للنمو العالمي عقودا، خصوصا الإمدادات الطبية.

إنشرها