ثقافة وفنون

شعر الأعياد .. أفراح وأتراح ومدائح

استغل شعراء مسّرات العيد لنيل الحظوة والمنزلة لدى الأمراء والسلاطين.

العيد في اللغة ليس احتفالا، بل هو كل ما يحل بالمرء من نوب وشوق وهم وغيره، وما اعتاد المرء منها ومن غيرها فهو عيد، مثلما قال الشاعر "والقلب يعتاده من حبها عيد". وكل يوم فيه جمع فهو عيد، واشتقاقه من العادة؛ أي أنهم اعتادوه، وعيّد المسلمون أي شهدوا عيدهم. ويقال أتيت فلانا في يوم عِداد، أي في إحدى الأيام الثلاثة؛ جمعة أو أضحى أو فطر. وسمي العيد عيدا، بحسب ابن الأعرابي، لأنه يعود كل عام بفرح مجدد.
احتفل العرب قديما بالأعياد، وقسموها إلى أعياد زمانية وأخرى مكانية؛ فالأولى غير موحدة، حيث إن لكل جهة من عرب شبه الجزيرة، أيامها وبطولاتها، ومن أشهر أعيادهم الانتصار على كسرى في معركة ذي قار، ويوم الصفقة ويوم بُعاث ويوم النصيح ويوم البردان ويوم النستار.. وغيرها كثير. أما الأعياد المكانية، فيتفقون على ما كان منها كالشعائر الدينية في موسم الحج، والمبارزات الشعرية في عكاظ. وكان تأبط شرا أول الشعراء العرب ذكرا للعيد في شعره، بقوله: "يا عيد مالك من شوق وإيراق/ ومر طيف على الأهوال طراق"، لكن العيد هنا ليس بالمعنى الشعائري، بل ما يعتاده الشاعر من الحزن والشوق والحنين.
يُنسب إلى الشاعر الألماني الكبير جوته قوله، "إن الشعر العظيم هو شعر المناسبات"، تجد هذه المقولة تفسيرا لها في تجربته الأدبية التي تأثر فيها بالشعر العربي، كما أشار إلى ذلك في كتابه "الديوان الشرقي للمؤلف الغربي" (1819). يعرف هذا الصنف من الشعر باسم "أدب المناسبات" الذي يسجل تيار من النقاد العرب تحفظهم عليه، لكن ذلك لم يمنع فطاحل العرب؛ على مر العصور والأزمنة من التفاعل مع المناسبات الاجتماعية والدينية، وراوحت المشاعر المضمنة في متونهم الشعرية بين الأفراح والأتراح.
يُعد الشاعر ابن المعتز الملقب بخليفة اليوم والليلة؛ إذ آلت إليه الخلافة العباسية، ولقب بالمرتضي بالله، ثم ما لبث أن هجم عليه غلمان المقتدر بالله وقتلوه، فتولى الخلافة مكانه. يُعد أول من ربط شعريا بين الهلال وعيد الفطر قائلا "أهلا بفطر قد أضاء هلاله/ فالآن فاغد إلى الصحاب وبكر، وانظر إليه كزورق من فضة/ قد أثقلته حمولة من عنبر". ونقرأ له أيضا أبياتا بشر فيها بطلعة شوال بقوله "قد انقضت دولة الصيام وقد/ بشّر مرأى الهلال بالعيد، يتلو الثريا كفاغر شره/ يفتح فاه لأكل عنقود". ذات اللحظة عبر عنها - ويا للغرابة - ابن الرومي؛ أحد الشعراء المفرطين في التشاؤم، حين قال واصفا مطلع هلال العيد "ولما انقضى شهر الصيام بفضله/ تجلى هلال العيد من جانب الغرب، كحاجب شيخ شاب من طول عمره/ يشير لنا بالرمز بالأكل والشرب".
استغل شعراء مسرات العيد لنيل الحظوة والمنزلة لدى الأمراء والسلاطين، فكانت تهنئة ومعايدة الحكام؛ حيث يحكى أن الشاعر العباسي أشجع بن عمرو السلمي أحد مُحدثيها، حين كتب إلى الخليفة هارون الرشيد أبياتا تراوح بين المدح والتهنئة في أحد الأعياد، جاء فيها "لا زلت تنشر أعيادا وتطويها/ تمضي بها لك أيام وتثنيها، مستقبلا زينة الدنيا وبهجتها/ أيامنا لك لا تفنى وتفنيها، ولا تقضت بك الدنيا ولا برحت/ يطوي لك الدهر أياما وتطويها، وليهنك الفتح والأيام مقبلة/ إليك بالنصر معقودا نواصيها".
ذاع الأمر في الدول والأمصار، فتبارى الشعراء في نظم الأبيات، نقرأ للبحتري مهنئا الخليفة العباسي أبو الفضل جعفر المتوكل "بالبر صمت وأنت أفضل صائم/ وبسنة الله الرضية تفطر، فأنعم بيوم الفطر عيدا/ إنه يوم أغر من الزمان مشهر". وعايد أبو الطيب المتنبي؛ وهو أحد الشعراء الأكثر اغتناما لتيمة العيد في شعره، سيف الدولة في العيدين معا، فقال في الفطر "الصوم والفطر والأعياد والعصر/ منيرة بك حتى الشمس والقمر، تُري الأهلة وجها عم نائله/ فما يخص به من دونها البشر"، وفي الأضحى نظم قصيدة مطلعها "لكل امرئ من دهـره ما تعودا/ وعادة سيف الدولة الطعن في العدا، هنيئا لك العيد الذي أنت عيده/ وعيد لمن سمى وضحى وعيدا، ولا زالت الأعياد لبسك بعده/ تسلم مخروقا وتعطى مجددا".
شكل العيد فرصة لعديد من الشعراء للتخفيف من وطأة ألم يعتصر النفس؛ لفقر وكمد وحاجة أو لفقد وتبدل حال، وفي ذلك أنشد أبو فراس الحمداني قصيدته الشهيرة التي خاطب فيها العيد عندما أدركه وهو أسير لدى الروم، من أبياتها "يا عيد ما عدت بمحبوب/ على معنى القلب مكروب، يا عيد قد عدت على ناظر/ عن كل حسن فيك محجوب، قد طلع العيد على أهله/ بوجه لا حسن ولا طيب، مالي وللدهر وأحداثه/ لقد رماني بالأعاجيب".
وأدرك عيد الفطر الأمير الشاعر المعتمد بن عباد في أسره المرابطي في منطقة أغمات - شمال المغرب حاليا - فقال يرثي نفسه بعد خروجه عن سلطان بلاده ومعاناته شظف العيش بعد عز السلطان وغناه، "فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا/ وكان عيدك باللذات معمورا، وكنت تحسب أن العيد مسعدة/ فساءك العيد في أغمات مأسورا، ترى بناتك في الأطمار جائعة/ في لبسهن رأيت الفقر مسطورا، معاشهن بعيد العز ممتهن/ يغزلن للناس لا يملكن قطميرا، برزن نحوك للتسليم خاشعة/ أبصارهن حسرات مكاسيرا، أفطرت في العيد لا عادت مساءته/ فكان فطرك للأكباد تفطيرا، قد كان دهرك إن تأمره ممتثلا/ فردك الدهر منهيا ومأمورا".
يبدو أن شياطين الشعر في وادي عبقر؛ الذي أخبرنا به المؤرخ ابن شهيد الأندلسي في كتابه رسالة التوابع والزوابع، تحجم طيلة الشهر الفضيل لتغدق بعده الشعراء بالإلهام الذي تحول دررا من الشعر، نسجها شعراء في قصائد تنقل لنا ملامح من تخليد هذه الاحتفالات بالشعر، في وقت تتجه فيه أعيادنا نحن إلى فقدان كل معاني الدينية والاجتماعية، من استنساخ رسائل قصيرة مكررة، نرسلها بنقرة إصبع إلى من نعرف ومن لا نعرف، عبر الهاتف المحمول أو البريد الإلكتروني، إلى التجمل بأغلى الثياب وأنفس الحلل. وفي ذلك قال أبو إسحاق الألبيري، "ما عيدك الفخم إلا يوم يغفر لك/ لا أن تجر به مستكبرا حللك، كم من جديد ثياب دينه خلق/ تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك، ومن مرقع الأطمار ذي ورع/ بكت عليه السماء والأرض حين هلك".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون