النمو الاقتصادي .. أسس ومبادئ

|
من منا لا يحب سعة الرزق؟ الناس مجبولون على حب المال، وعلى الرغبة في تحسين مستوى معيشتهم أو دخولهم. وتحقيق مزيد من الثروة ومزيد من الدخل لا يمكن أن يحصل دون وجود نمو في الاقتصاد الوطني. الذي يعني ببساطة توسع الاقتصاد أو ازدياد حجمه، والذي بدوره لا يمكن أن يحصل دون ازدياد الإنتاج، تماما مثلما يحصل لنمو شركة والذي يعني أن إنتاجها – مقوما بالمبيعات - يزيد، طبعا بافتراض أن الأسعار لم تتغير.
أهمية النمو الاقتصادي لا ترجع فقط إلى حب الناس لمتع الحياة، بل هو متطلب. لأن انعداما أو ضعفا بينا في تحقيق نمو اقتصادي، مع وجود تزايد سكاني يعني أن المجتمع قد أصبح أقل غنى أو أكثر فقرا.
وقد ارتبط في أذهان كثيرين أن تحقيق النمو الاقتصادي أو الانتعاش الاقتصادي في الدول النفطية مثل السعودية مرتبط بزيادة الدخل من النفط. لكن المؤكد أن من الممكن تحقيق نمو اقتصادي دون اعتماد على النفط، وكثير من الدول ليس فيها نفط وقد حققت معدلات نمو عالية، ولذا فإن من المهم جدا أن يعرف أن عوائد النفط ليست سببا مباشرا كما أنها ليست ضرورية لتحقيق النمو الاقتصادي، وإن كان هذا لا ينفي إمكان كونها وسيلة لتعجيله، كما أن العكس صحيح فيمكن أن تكون وسيلة في تثبيطه. المهم أن هناك أسبابا أو عوامل للنمو، وليس من الضروري أن تعتمد هذه العوامل على عوائد نفطية. وهذه النقطة أساسية في "رؤية 2030".
على المدى الطويل هناك أربعة عوامل أساسية لا يمكن أن يكون هناك إنتاج دونها: رأس المال البشري ورأس المال المادي والتنظيم والتقنية بمعناها الأشمل الذي يندرج تحته أي مستوى تقني سائد. طبعا هذا التوزيع بهذه العوامل اجتهادي، فقد توزع بطريقة أخرى، دون إخلال بأصل الأهمية.
بما أن النمو الاقتصادي يقاس بنمو الإنتاج، فإن تحسين كل أو أحد عوامل الإنتاج كما و/أو كيفا بما يؤدي إلى زيادة الإنتاج هو المحور والأساس لتحقيق نمو اقتصادي.
يمكن للسياسات العامة (الحكومية) أن تعمل على تحسين أو تثبيط إنتاجية كل أو بعض عوامل الإنتاج، ومن ثم فهي تعمل على زيادة أو تدهور النمو الاقتصادي. والسياسات العامة هنا يجدر أن أشير إلى أنها تعبير واسع يدخل فيه كل القرارات والتنظيمات والإجراءات الحكومية الحاكمة لعوامل الإنتاج والأنشطة الاقتصادية عامة.
لنبدأ بالعامل الأول رأس المال البشري. السؤال يمكن أن يصاغ الصياغة التالية: ما العوامل والظروف التي ترفع إنتاجية الفرد؟
هناك ثلاثة عوامل أساسية: التعليم والتدريب والتفاني والإخلاص في أداء العمل والأمان النفسي شاملا الشعور بالعدل والإنصاف.
تحسين مستوى التعليم أو رفع درجة جودته يعمل على رفع إنتاجية الفرد أي رفع إنتاجية رأس المال البشري.
العامل الثاني التفاني والانضباط السلوكي أو ما يسمى أخلاقيات العمل والعامل الثالث الشعور بالعدل واضحة أهميتهما. ونفهمهما مما ورد في القرآن الكريم قال تعالى "قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين".
القوة بحسبها فلكل مقام مقال. وفي كل الأحوال تدخل فيها جودة الفهم والتفاني في الأداء. بحسبها فلكل مقام مقال. والعامل الثالث الأمانة فتعبير عام يدخل فيه الشعور بالعدل والإنصاف في المعاملة.
ماذا بشأن رأس المال المادي؟ هو تعبير عن عامل عام يشمل القدرة المادية والظروف التي تهيأ للاستفادة مما يتوافر من قدرة مادية.
طبيعة التنظيم داخل المنشآت والنشاطات وخارجها (بما في ذلك طبيعة الثقافة والبناء المؤسسي الذي يحكم العلاقات بين الناس داخل الدولة) يؤثر في جودة أداء واستغلال العوامل السابقة. مثلا، كيف يدار العمل؟ ما طبيعة العادات والبنية الثقافية والاجتماعية ومستوى الاستقرار والأمان السياسي والتنظيم الحكومي؟ ينظر إليها على أنها عوامل تزيد أو تضعف أداء عوامل الإنتاج السابقة. ومما يؤثر في تلك العوامل مدى التشجيع على الأعمال الحرة وعلى الابتكارات. مما يؤثر أيضا طبيعة وقوة البناء القضائي. مما يؤثر مدى تسهيل حركة وعمل رأس المال.
من المهم أن يعرف أن العوامل السابقة ليست سواء في الأهمية بين المجتمعات، وقد يعوض ضعف عامل بقوة عامل آخر.
نقطة أخيرة. رغم محاسن النمو لكن له جوانب سلبية. فتحقيق النمو لا يعني خلوه من المشكلات. والمطلوب الحد منها قدر الإمكان.
إنشرها