ثقافة وفنون

«أولاد آدم» .. أخطاء البشر لا تمنع نزاهتهم

بوستر العمل.

مشهد من المسلسل.

منذ أعوام أبصرت الدراما العربية المشتركة النور، وبدأت تحصد النجاح تلو الآخر، خاصة تلك التي تجمع بين ممثلين سوريين ولبنانيين، إلى أن فردت أجنحتها وسيطرت على الإنتاجات المحلية، مصرية كانت أم تركية، واستمرت في التحليق عاليا إلى أن تربعت على عرش الساحة الرمضانية لهذا العام، بمسلسلات لمعت على الشاشة، أبرزها كان مسلسل “أولاد آدم” الذي كتبه رامي كوسا، وأخرجه الليث حجو، الذي تفوق على إخوته “النحات” من تأليف بثينة عوض وإخراج مجدي السميري، و”الساحر” من تأليف سلام كسيري وإخراج عامر فهد.
قاضية نزيهة لكنها تخطئ
انطلق مسلسل “أولاد آدم” بحبكة درامية اجتماعية إنسانية سياسية مميزة، أبطالها أربعة من أمهر الممثلين، أتقنوا الدور الذي أوكل إليهم، فتمخض عمل ناجح اتسم بالعمق، ورسخ فكرة “كل أولاد آدم خطاؤون”، البداية مع الممثلة اللبنانية ماغي أبو غصن، تلك المرأة التي تتمتع بقوة في المجتمع ولديها مركز مرموق، ما يحملها مسؤوليات كبيرة ويجلب لها المصائب، تؤدي ماغي دور قاضية تحقيق تدعى ديما، وهي قاضية نزيهة وامرأة ناجحة، تحارب الفساد في الأحكام التي تطلقها، ثم أصبحت وزيرة عدل نظرا إلى نزاهتها وحسن معالجتها للقضايا، كانت نصيرة المظلوم وشرسة على الظالم، لا تترك صاحب حق إلا وتقف إلى جانبه، لكن هذا الخير المطلق لا يمكن أن يكتمل، ولا بد للشر أن يظهر في بعض الأماكن، ولقد أظهر المسلسل كيف أن قاضية شريفة مثل ديما ليست بعيدة عن الخطيئة، حيث تصدم طفلا على الطريق وتخفي ذلك في بداية الحلقات، ثم تقع في فخ التستر على شقيقها المدمن قضائيا، بعدما ورط نفسه في أذية فتاة، إنه صراع بين الخير المطلق ونزغات الشر التي تنفخ بين الفينة والأخرى، لكن في الوقت عينه تعيش ديما دور امرأة مكسورة ومجروحة، تدور في هاجس الإنجاب ودوامة الدفاع عن الأحباء، الأمر الذي يلوي ذراعها أحيانا، الذي تخسر بسببه الكثير.
مبدأ «اللهم نفسي»
زوجها غسان، يؤدي دوره الممثل السوري مكسيم خليل، هو إعلامي مشهور في المسلسل، يقف أمام الشاشة ويطرح على المشاهدين قضايا اجتماعية مختلفة مثل قضية زواج القاصرات ويدعو الى الوعي، وينشر الثقافة في حلقاته، يظهر ذاك الرجل المحب لزوجته والداعم لها في كل خطواتها، إلا أنه في بعض الأماكن يخطئ في حقها، يكذب عليها ويخونها، يحاول استغلال ارتباطه بزوجته النافذة لتمرير نزواته وحقده على العالم، يعمل لمصلحته الخاصة ورغباته دون رادع، محاولا الالتفاف على كل من حوله حتى زوجته التي أفشى بسر شقيقها لأعدائها حتى يصل إلى مبتغاه في إدارة البرامج، كذلك يؤدي دور رجل انتهازي يطبق عكس ما يقول على الشاشة، ويعيش بقناعة أن هذا المجتمع فاسد، ومبدأ “اللهم نفسي”. مكسيم خليل ذلك الشاب الذي استطاع أن ينال قاعدة جماهيرية كبيرة منذ ظهوره الأول، استطاع أن يكسب قلب المشاهد في “أولاد آدم” رغم الأخطاء التي يرتكبها، ظهرت شهامته عندما دافع عن فتاة قاصر أراد أهلها تزويجها بالقوة، وقف في وجه زوج والدتها، لكنه في المقابل كان يواعد كثيرا من الفتيات، وفي الوقت نفسه لا يؤذيهن.
حرامي لكنه طيب
البطل الثالث هو الممثل السوري قيس الشيخ نجيب، الذي أدى دور سعد، الحرامي المغموس بهموم اليتيم وألفاظه الشعبية، وسوء طالعه وخفة يده في السرقة، لكنه تميز بطيبة قلبه، يجول على دراجته النارية، يسرق جوالات، ومن ثم يبيعها، إنه طفل تربى في الشارع من دون أب أو أم، قست عليه الحياة كثيرا، يحب مهنته السرقة، لكنه في الوقت عينه لديه مواقف بطولية، خاصة عندما يسرق ويعلم أن من سرقه فقير أو مسكين، يحاول في اليوم التالي إرجاع الهاتف إلى صاحبه، لكن عندما يقع على فريسة دسمة مثل غسان زوج وزيرة العدل لا يرحمه، ويطلب كثيرا من المال مقابل إعادة الهاتف، كما ظهر في بعض المشاهد، كيف أن المال لا يعنيه، وكيف أنه مستعد لإعطاء كثير من الفلوس لولد يتسول على الطرقات، إنه مزيج من التناقض كما في باقي المسلسل.
الفنانة والحرامي
زوجة سعد هي مايا، تؤدي دورها الممثلة اللبنانية دانييلا رحمة، كانت تعمل كفنانة استعراضية، تعرف عليها سعد ومن ثم أعجب بها، وبدأت قصتهما كراقصة وحرامي، علمها كيف تسرق الجوالات، لكنها في الوقت عينه كانت طيبة القلب، عفوية بطبعها، مرحة حيث أدخلت البهجة إلى حياته، ولقد أدى قيس ودانييلا دورهما كثنائي بكل إتقان، تخلل أداءهما بعض المرح والنكات الخفيفة، حتى إن دانييلا أبدعت في أداء الشخصية الفقيرة، نظراتها وحركاتها كانت أشبه بالشخصية اللا مبالية، لكن في قلبها عذابات منذ أن ولدت، قسا عليها الزمن إلى أن جاء سعد وأنقذها.
ظلم السجون
بعيدا عن قصص الرباعي يلقي المسلسل الضوء على ما يحصل داخل سجن النساء، وعلى الرغم من أن فكرة السجن مستهلكة خاصة من قبل الأفلام أو المسلسلات المصرية التي كانت تصور سجن النساء على أنه سجن يضم فتيات ضعيفات، وواحدة تسيطر عليهن وتظلمهن، إلا أنه في مسلسل “أولاد آدم” كان السجن أقرب إلى الواقع، حيث إن هذه الشخصية “الرأس” في السجن تتحطم على يد امرأة أخرى تدعى زينة، وهي شقيقة مايا في المسلسل، تكره الظلم وتدافع عن كل النساء المظلومات، وتؤكد أن القوة هي سيدة الموقف في هذه الأمور، وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم.قضايا متشعبة لكنها مترابطة
بعيدا عن كل هذا يطرح المسلسل أيضا بعض القضايا السياسية والحياة اليومية للمسؤولين، وكيف تتم الصفقات، جميع هذه الأمور تشعرك للوهلة الأولى بأنك أمام كم هائل من القضايا المتشعبة، لكنك سرعان ما ترفع قبعتك للمؤلف رامي كوسا والمخرج المتميز الليث حجو، اللذين قدما مسلسلا دراميا اجتماعيا تراجيديا يعكس العلاقات الاجتماعية العربية الواقعية التي يعيشها المجتمع العربي، يصف مجتمعنا العربي الحالي وكمية الصراعات الكبيرة والحقيقية والواقعية التي تحدث، كل هذا داخل إطار درامي مميز ومشوق.
إن مسلسل “أولاد آدم” وضعنا كمشاهدين أمام مرآة اجتماعية نرى من خلالها ما نراه يوميا من مشكلات، وإن كان بتقنية إخراجية لا تعقيد فيها، حيث بدت المشاهد فنيا مسرعة نحو التتر أو البداية، وتفاحة آدم التي أخرجته من الجنة وتركته في جحيم الحياة، يبحث عن الأمن والاطمئنان، الذي بحثت عنه مايا وحتى القاضية ديما التي تعرضت للطلاق والزواج مرة ثانية ولقرارات حاسمة ومعقدة في مفهومها الاجتماعي، وفي النهاية تقتنع كمشاهد أن “كل أولاد آدم خطاؤون”.
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون