مراجعة نقطة التعادل

|
منذ انخفاض أسعار النفط في 2014 وربما قبل ذلك، يتكرر الحديث عن سعر النفط كنقطة تعادل لميزانية الدول النفطية، بمعنى كم سعر النفط الكافي لتمويل الميزانية العامة للدولة؟ الفكرة جاذبة لأن دخل النفط هو المصدر الرئيس لتمويل الميزانية العامة لكثير من الدول الرئيسة المصدرة للنفط. لكن ما قد يكون جاذبا للوهلة الأولى قد يكون خادعا أو لا يكفي للخروج بسياسات مالية فضلا عن اقتصادية. مداخيل النفط حاسمة لكثير من الاقتصادات، لكن اختزالها في سعر تعادلي لا يصلح أن يكون منطلقا لتحليل المالية العامة فضلا عن الحالة الاقتصادية. كلما انخفض سعر النفط تسابق بعض الاقتصاديين والإعلام الاقتصادي بنشر قائمة للدول النفطية ونقاط تعادل أسعار النفط مع الميزانية. الإشكالية أنها فكرة محاسبية تحاول اختزال الحالة المالية والاقتصادية المعقدة في رقم واحد في لحظة زمنية واحدة وهذا غير ممكن. لكن أيضا علينا الحرص في التفريق بين نقد الفكرة وإسقاطاتها وبين التعليق على السياسات المالية والاقتصادية، إذ إن لكل بلد ظروفا موضوعية وسياقا مختلفا. بطبيعة الموضوع هناك علاقة بين نقطة التعادل للتعبير عن المركز المالي، لكن لا بد من التوقف والتروي كي نضع مسافة كافية بين الفكر والتأطير من ناحية، والسياسات العامة وتنفيذها من ناحية أخرى. تقوم الفكرة على عدة افتراضات تجعلها في نظري غير مفيدة عمليا.
أحد الافتراضات أن الحكومات والأجهزة المعنية فيها لا تتفاعل مع التغير في أسعار النفط، بينما الحقيقة أن كل الدول تقوم بمراجعة سريعة للأولويات المالية والاقتصادية، النفط سلعة ولذلك تتحرك الأسعار بوتيرة أسرع من التغير في السياسات العامة، ولذلك عادة تقوم الأجهزة المالية بمحاولة للحفاظ على درجة من الاستقرار من خلال الاقتراض والسحب من الأرصدة المالية طبقا للأمثل والممكن لكل دولة، كما أن كثيرا من هذه الدول استطاعت تعميق اقتصاداتها وتقليل الاعتماد على دخل النفط، رغم بطء هذه التحولات إلا أنها تسير غالبا في الاتجاه الصحيح. رأينا كيف تفاعلت وزارة المالية لدينا من خلال بيان يتعامل مع الحالة الجديدة، وكذلك تفاعلت دول عديدة بطرق مختلفة.
الفرضية الأخرى تقوم على أن رقم الميزانية أو حتى بعض المشاريع خاصة الإنشائية ثابتة، لكن الأمور المالية والاقتصادية غالبا نسبية، لذلك بإمكان تأجيل أو حتى إلغاء بعض المشاريع ذات الطابع الإنشائي، فالمقارنات عادة تكون بين دول غير متشابهة في اقتصاداتها عدا الاعتماد على النفط، فاقتصاد روسيا يختلف عن المملكة، واقتصاد العراق يختلف عن عمان، ولذلك سعر التعادل قد لا يعني كثيرا للأداء الاقتصادي فمثلا فاتورة الرواتب على الأقل للأغلبية لا تتغير كثيرا لموظفي الحكومة، وبالتالي هناك استقرار في مداخيل الأفراد ومستوى معين من الطلب، الذي بدوره المحرك الأساس لمستوى الطلب. الفرضية الأخيرة تقوم على الميزانية وسعر التعادل هو المقرر الأساس في الإدارة المالية في تجاهل لوعي المجتمع وتماسكه وخبرة المسؤولين المتراكمة، لأن الدورات السعرية للنفط متوقعة رغم صعوبة توقيتها. فمثلا تجد الحكومة تحاول تأسيس رصيد مالي يدار بطريقة محافظة واهتمام بليغ بغطاء كاف من النقد الأجنبي واستقرار سعر صرف الريال مقابل الدولار، وأيضا الشركات العائلية خاصة تستمر محافظة في حجم الدين إلى الأصول. كذلك مع التجربة في الدورات النفطية أصبح هناك وعي وتقبل اجتماعي في القطاع الخاص حتى العامة أن انخفاض الأسعار يؤدي تباعا لدرجة من التباطؤ الاقتصادي وربما أحيانا فرصة لإعادة الحسابات. فكلما نزل سعر النفط كانت هناك أصوات لإعادة هيكلة وانكشاف البعض بعد نقص المصروفات العامة حتى توقع لتحجيم الدعم ودعوات للإصلاح الاقتصادي. الاطمئنان لوتيرة النزول والارتفاع أصبح جزءا من السياق المجتمعي، لكن كل مرة هناك تبعات مختلفة، لأن التغير من طبيعة الأمور. أخيرا رغم الانتقادات الموضوعية على شركات التصنيف المالي على أثر الأزمة المالية العالمية إلا أنها أكثر شمولية في تعاملها مع الصورة المالية للدول، لأنها تتعامل مع عدة عوامل مالية داخلية وخارجية لتخرج بمحصلة تقارن بين الدول في ملاءتها المالية. ليس الهدف هنا المقارنة بين نقطة التعادل ومحصلة التصنيف لكن لإظهار مدى محدودية سعر التعادل.
لعل أهم تبعات هذا النزول أنه جاء في الفترة التي تعد لها المملكة سياحيا، وكذلك هناك درجة من الاستقرار في التكاليف الثابتة وهناك درجة من الاستشعار بمخاطر دولية تتمثل في الأخطار على سلسلة الإمداد وتقليل الاعتماد على التجارة الدولية لبعض البضائع والسلع الاستراتيجية. هذه التبعات مجتمعة تجعل البيئة الجديدة مشابهة في نظر البعض ومختلفة نوعيا عند البعض الآخر. إذ إن ما سيفرق الدول هو مدى المرونة في إدارة اقتصاداتها من ناحية، وربما مراجعة في التوازن بين السعي للفاعلية والطمأنينة على توفير الضرورات من ناحية أخرى. ربما ضارة نافعة تساعدنا على تكوين منظار جديد لـ Saudi Inc "درجة أعلى من التعاون والتنسيق والتسلسل بما يخدم القيمة المضافة مجتمعيا، كي نتمكن من تصدير مصنوعات وخدمات".
إنشرها