إفلاس الشركات بفعل كورونا

|
"المستوى الحالي من الإنفاق ليس قابلا للاستمرار على المدى البعيد"
ريشي سوناك؛ وزير مالية بريطانيا
الأزمة الاقتصادية العالمية الناجمة عن تفشي وباء كورونا المستجد، تتفاقم بصورة متسارعة. فطالما ظل هذا الوباء "حرا" على الساحة الدولية، فإن الأزمة المشار إليها ستتعمق أكثر، ولن تترك مساحات واسعة للتحرك من أجل حلها في فترة قصيرة. الحكومات تريد أن تلتقط أنفاسها من أجل وضع مخططات الإنقاذ التي يمكن البناء عليها، لكن ضربات الجائحة الخطيرة، لا تترك مجالا لذلك. ما يحدث الآن، ليس إلا ردود فعل لتطورات مخيفة خارجة عن السيطرة. كل شيء بات مرتبطا حاليا بمدى قدرة العالم على وقف عدوانية الوباء، والبدء بفتح الاقتصادات المغلقة، أو على الأقل تخفيف حدة الإغلاق. وهنا يكمن الخلاف بين رؤيتين: الأولى، إعادة تحريك الاقتصاد بصرف النظر عن الأضرار البشرية المؤكدة. والأخرى، إبقاء الحال على ما هو عليه، إلى أن يظهر "السلاح" الذي سيحسم أمر الوباء.
وأكثر ما يخيف الحكومات في الوقت الراهن، حالات إفلاس الشركات بكل أحجامها. وهذه الحالات مرتبطة بتصاعد معدلات البطالة في كل القطاعات تقريبا؛ ما يضيف مزيدا من الأعباء إلى كاهل هذه الحكومات، التي تقوم بضخ ما أمكن لها من أموال لسند اقتصاداتها، ضمن حزم إنقاذ اعتاد العالم عليها في فترة الأزمات الكبرى. لكن حتى هذه الحزم ليست مضمونة من حيث مدتها. بمعنى، أن الجهات الحكومية ستضطر للتضحية بكثير من الشركات والمؤسسات، إذا ما استفحلت الأزمة أكثر وأكثر. وهذا ما يفسر تأكيدات وزير مالية بريطانيا رشي سوناك - مثلا -، بأن الأموال الاستثنائية التي تنفقها الدولة لن تظل إلى ما لا نهاية. والأمر نفسه في كل الدول التي التزمت بحزم الإنقاذ الكبيرة، التي وصلت في الولايات المتحدة إلى 4.5 تريليون دولار، وفي بريطانيا إلى 400 مليار جنيه استرليني، وفي منطقة اليورو إلى تريليون يورو.
تتفق المؤسسات الاقتصادية الدولية المختصة على أن حالات إفلاس الشركات على المستوى الدولي سترتفع 25 في المائة. أي أن ربع شركات العالم سيخرج من السوق، وهي من أحجام مختلفة. فالتقديرات - مثلا - تتحدث عن إفلاس شركات ألمانية 11 في المائة في العام الجاري. ورغم أن التقديرات الخاصة في بريطانيا بهذا الخصوص لم تظهر بعد، وذلك من فرط ارتباك الوضع الاقتصادي بصورة لم يسبق لها مثيل منذ 300 عام؛ بحسب وزير المالية البريطاني نفسه، إلا أن مؤسسات يزيد عددها على 800 ألف شركة، أعطت نسبة من موظفيها إجازات مفتوحة، قدرت تكلفتها من المال العام بثمانية مليارات استرليني. والأمر مطابق إلى حد بعيد في دول مثل فرنسا والسويد وإيطاليا، وغيرها من الدول الأوروبية.
تؤكد مؤسسة "جولدمان ساكس" المالية العالمية، أن أزمة كورونا، ستتسبب في حدوث أسوأ موجة إفلاس في التاريخ. وهذا يعني أن موجة الإفلاس الناجمة عن الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت عام 2008، لا تشكل شيئا أمام هذه القادمة قريبا إلينا. وفي غضون الأسابيع القليلة الماضية، أعلنت مجموعة من الشركات المعروفة عالميا أنها لم تعد قادرة على البقاء في السوق، ولا سيما شركات طيران يعود تاريخ بعضها إلى 75 عاما. كل هذا يحدث، في ظل انكماش خطير أيضا يضرب اقتصادات كبرى، ناهيك عن الاقتصادات المتوسطة والصغيرة نسبيا. فالانكماش العالمي المتوقع حتى نهاية العام الحالي سيبلغ 3 في المائة، وفق صندوق النقد الدولي. وهذه نسبة مرعبة بالفعل. كما أن التجارة العالمية ستتراجع بحدود 11 في المائة، استنادا إلى منظمة التجارية العالمية.
على صعيد العمالة، تتوقع منظمة العمل الدولية فقدان 195 مليون وظيفة من شريحة الدوام الكامل، بسبب التداعيات الاقتصادية للجائحة الهائلة. على الصعيد الدولي أيضا، ارتفعت بصورة كبيرة للغاية عمليات بيع الشركات بأسعار منخفضة جدا؛ بل مؤسسات بيعت بأسعار رمزية للتخلص من الأعباء الناجمة عن وقف أعمالها. كل هذا، يوسع الساحة على صعيد إفلاس الشركات، خصوصا تلك التي كانت تعاني أصلا من صعوبات قبل تفشي الوباء المشار إليها. والمصيبة الكبرى هنا، أن تداعيات موجة الإفلاس هذه، ستحدث تغييرات ليست اقتصادية فحسب؛ بل اجتماعية أيضا، ولا سيما فيما يرتبط بالعمالة التي ستتحول إلى بطالة بسرعة جنونية؛ ما يزيد الأعباء على الحكومات كلها، ويرفع أيضا حجم الديون السيادية لأغلبية الدول.
لا شك في أن إفلاس الشركات سيترك كثيرا من الآثار فترة طويلة على الساحة. مع ضرورة التأكيد أن هناك مؤسسات فقدت سبب وجودها أساسا بفعل المتغيرات الاجتماعية والمتطلبات الجديدة للسوق التي نشهدها كل يوم. ما يتشكل الآن، ركود عالمي سيصيب 68 دولة على الأقل في الفترة المتبقية من العام الجاري، بحسب أغلبية مراكز الدراسات المختصة. وهذا العدد سيرتفع بالتأكيد، كلما طال أمد الأزمة، وطالما ظل العالم عاجزا عن وقف وباء، كان حتى أسابيع خارج نطاق التفكير البشري؛ الأمر الذي يفسر العجز العالمي عن القضاء عليه، أو وقفه عند حدود يمكن السيطرة عليها.
إنشرها