الطعام المحرم

|
الطعام ليس مجرد أكل نقتات به ليساعدنا على البقاء، كما يعتقد الأغلبية من الناس، بل هو أكبر وأعمق من ذلك. فالطعام كان ولا يزال وسيلة للاتصال، ويتحكم في العلاقات الإنسانية بين الأفراد الذين تربطهم صلة دم أو دين أو مواطنة، ويلعب دورا اجتماعيا ودينيا وثقافيا في حياة الشعوب على مر العصور!
وأقرب وأصعب حدث ما أصاب البشرية اليوم من جائحة حصدت الألوف وأخلت بالاقتصاد العالمي وغيّرت وجه الأرض، بسبب وجبة طعام تناولها فرد حسب بيئته ومعتقداته!
إن فهم طبيعة شعب ما وثقافته تعتمد على نوع غذائه وطريقة إعداده، لذا اهتم علماء الاجتماع بهذه الناحية أكثر من علماء التاريخ، وذلك لدراسة سمات المجتمع الثقافية والمؤسسات الاجتماعية والاتجاهات الفردية والجماعية!
فهناك شعوب أباحت جميع أنواع الطعام حتى استحلوا أكل لحوم البشر، وشعوب أخرى حرمت على نفسها أبسط أنواع الطعام حتى قاربت على الهلاك، أو أسهمت في انتشار الأمراض.
في الواقع، إن الطعام قديما وحديثا يقسم الناس ويفصلهم من النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية، انظر إلى ما حرم اليهود على أنفسهم من طعام مباح أحله الله، ليتميزوا عن باقي الأمم، وما امتنع عن أكله الكهنة من أسماك وعدّوا الامتناع عن الملح واجبا دينيا، وحرموا على أنفسهم الفول من بين الخضراوات كلها والبصل لأنه ينمو مع أفول القمر!
أما الفلاسفة وبعض الحكماء مثل فيثاغورس؛ فقد كان يمتنع عن أكل اللحوم هو وأتباعه لاعتقادهم بخلود الروح وتقمصها في جسم آخر سواء كان بشرا أو حيوانا، خصوصا أنواع معينة من الحيوانات لقربها من الإنسان، ومن أفكاره الغريبة والمتطرفة امتناعه عن أكل الفول وعدّه مدمرا، محتجا بعدم جواز إيذاء النباتات المثمرة بأكلها، كما كانوا يعتقدون بأن الفول يحتوي على أرواح الموتى لذا يستخدمونه في طقوسهم الدينية، ولعل الحقيقة والعلم ينفيان ذلك بأن فيثاغورس؛ ربما حرّمه على نفسه وأتباعه لإصابته بمرض حساسية الفول ونقص في إنزيم "جي 6 بي دي" ما يسبب له الآلام عند تناول الفول؛ أي حرّمه استنادا إلى تجربته الشخصية!
أما الفلاسفة والكهنة، فقد امتنعوا عن أكل اللحوم زاعمين أنها تشوش فكرهم وفي هذا تعالٍ وطبقية، بينما المنصفون منهم أقروا بأهمية تناول اللحوم للرياضيين والجنود والعمال والكادحين والمرضى الذين يمرون بمرحلة التعافي، نظرا إلى أهمية اللحوم الصحية بعيدا عن معتقداتهم، ونجد كثيرا من الشباب اليوم يمتنعون عن أكل اللحوم ويحرمونها على أنفسهم دون أن يعرفوا أن لهذا الأمر أساسا فلسفيا وعقائديا قديما جدا وليس له علاقة بالرأفة بالحيوانات التي سخرها الله للبشر!
إنشرها