النفط الصخري بين الكر والفر

|
أوجد النفط الصخري له مكانا في النظام النفطي العالمي مع بزوغ نجمه خلال الأعوام القليلة السابقة، لذلك كما ذكرت سابقا في عدد من المقالات، أن من المهم دراسته بإسهاب من منظورين فني واقتصادي، بل إنني أعتقد أن استشراف مستقبله خطوة ضرورية وملحة للتعامل معه مستقبلا دون مفاجآت. تباينت الآراء حول مستقبل النفط الصخري، فمنهم من صوره بأنه سيصبح المسيطر والمتحكم في أسواق النفط، وفي المقابل هناك من يرى أنه هش جدا، ولن يصمد أمام انخفاض الأسعار الحالي، وسيخرج من الأسواق قريبا بلا عودة. أنا لست إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وأرى أن النفط الصخري أصبح أحد روافد النفط الرئيسة، وأحد أطراف معادلته المؤثرين، لا يمكن تجاهله ولا ينبغي تضخيم دوره وتأثيره. النفط الصخري يجري عليه ما يجري على روافد النفط الأخرى، تحكمه الجدوى الاقتصادية من استخراجه التي تعتمد على أسعار النفط العالمية. عندما ارتفعت أسعار النفط بصورة قوية بدءا من عام 2010 في حدود 100 دولار للبرميل، استقرت الأسعار نحو ثلاثة أعوام على هذا المستوى، ولحقها رفع القوانين التي كانت تمنع استخراج النفط الصخري بسبب عملية التكسير الهيدروليكي، وكان ذلك أكبر حافز لتنتعش هذه الصناعة وتستقطب الاستثمارات في هذا المجال. لو فرضنا أن تكلفة إنتاج برميل النفط الصخري في تلك الفترة - بتحفظ - هو 50 دولارا للبرميل، فهذا يعني أن الاستثمار هو استثمار ناجح بهامش ربح مرتفع، ما سيعجل فترة استرداد رأس المال، وهذا بلا شك يسيل لعاب أي مستثمر في أي قطاع وفي أي منتج كان. بغض النظر عن صحة القرار الاستثماري لشركات النفط الصخري من عدمه تلك الفترة، وأعتقد أنها كانت متفائلة جدا في مجملها ولم تتوقع انخفاض الأسعار مرة أخرى إلى دون 30 دولارا، وتكرر الوضع أيضا هذا العام بصورة أقوى وتأثير أشد. من المتوقع أن يصل عدد أجهزة الحفر في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق على أساس أسبوعي، حيث وصل عدد أجهزة الحفر لاستخراج النفط إلى 292 جهازا، بمقدار انخفاض 33 جهازا على أساس أسبوعي، وذلك بسبب جائحة كورونا التي ضربت الاقتصاد العالمي، الذي لم يكن في أفضل حالاته قبل الجائحة. عطفا على ما سبق، هل يعني ذلك أن صناعة النفط الصخري ستنتهي؟ وأنه سيخرج من الأسواق نهائيا دون رجعة؟ من وجهة نظر شخصية، أعتقد أنها مبالغة غير منطقية مع كامل الاحترام لجميع من يرون ذلك للأسباب التالية، أولا: شركات النفط الصخري ستكر وتفر بناء على أسعار النفط والجدوى الاقتصادية المتعلقة بها، فهناك شركات ذات مركز مالي قوي يتحمل الانخفاض الشديد لأسعار النفط لمدة طويلة، وهناك شركات تستطيع التعامل مع هذه الأسعار بصعوبة شديدة بعد اتخاذ إجراءات قاسية، ولديها القدرة على الاستدانة، وهناك شركات لا تتحمل أي صدمات أعلنت إفلاسها سريعا. ثانيا: أمريكا هي عراب الصناعة النفطية وهذه حقيقة يجب الاعتراف بها، وذلك يعطيها الميزة للعودة السريعة لصناعة النفط الصخري ما إن تحسنت الأسعار واستقرت على هذا التحسن لمدة طويلة.
ختاما، النفط الصخري رافد رئيس من روافد النفط، يجري عليه ما يجري على روافد النفط الأخرى، يفر سريعا من الأسواق ويكر بصورة أسرع إذا ما ارتفعت الأسعار.
إنشرها