اقتصادات العمل الخيري

|
يكثر الحديث هذه الأيام عن العمل الخيري، أو القطاع الثالث، أو القطاع غير الربحي. وعند الحديث عن الاقتصاد، فإنه لن يخرج بطبيعة الحال عن محورين رئيسين، هما محور العرض والطلب ومحور الموارد واستخداماتها. في المحور الأول: فإن الطلب على قطاع العمل الخيري، وهو الطلب على خدمات الوساطة بين مقدمي الموارد من جانب والمستحقين لها من جانب آخر، إذ هذا هو المبرر الاقتصادي لما يخصص للعمل الخيري من موارد "أو حتى القطاع غير الربحي عموما"، سواء كانت تلك الموارد على شكل أصول منقولة أو غير منقولة. لذا، فإن مناقشة اقتصاد العمل الخيري تتطلب مناقشة العرض والطلب على خدمات الوساطة، وهذه الصورة يمكن فهمها من خلال مفهوم سلاسل الإمداد، حيث تبدأ من نشأة الفوائض من الموارد الاقتصادية عند أصحابها التي يمكن التضحية بها في أعمال الخير وهم في الوقت نفسه لا يستطيعون الوصول إلى مستحقي هذه الموارد ولا يمكنهم التحقق من استحقاقهم لها، لهذا يتم طلب خدمات مستقلين يوفرون قنوات سليمة لوصول الموارد إلى مستحقيها، ثم تنتهي السلسة عن المستحقين لهذه الموارد.
تظهر المشكلات الاقتصادية عند حدوث خلل في أي من نقاط سلسلة الإمداد في القطاع الخيري، وعلى هذا فإن فاعلية القطاع الخيري بأكمله ستعتمد على أضعف حلقة فيه، فمهما كان حجم الموارد والمتبرعين ومهما كان حجم المستحقين لها، فإن ضعف الوسطاء يهدد العمل بأكمله، وكذلك الحال لو كان الوسطاء فاعلين لكن هناك ندرة في المتبرعين، أو ضعف في الفوائض، فإن فاعلية القطاع الخيري في دعم المحتاجين ستتأثر. وفي مثل هذه الظروف التي نعيشها، فإن الحديث الأهم اليوم وعلى جميع الأصعدة الاقتصادية والمنتجات هو سلامة سلاسل الإمداد، والعمل الخيري ليس استثناء من ذلك، وأعتقد أن الضعف قد شمل جميع نقاط السلسلة، فمن جانب وفرة الموارد الاقتصادية بيد المتبرعين قد تأثرت بما وصفه صندوق النقد الدولي بعبارة "الإغلاق الكبير"، في إشارة إلى أنها تشبه الكساد الكبير الذي قاد إلى إغلاق كثير جدا من الأنشطة الاقتصادية وتوقف دخلها تماما أو ضعف الدخل لكثير ممن لم يزل يعمل، وهذا بلا شك أضعف مستويات التدفق من النقد والموارد التي كانت تغذي برامج القطاع الخيري، أو حتى قدرته على الاستمرار والبقاء، خصوصا تلك المؤسسات الخيرية التي لم يتوافر لها فرصة بناء موارد ذاتية من خلال الأوقاف. وأعتقد أن كل مؤسسة خيرية بحاجة الآن إلى فحص الآثار التي أصابت سلاسل الإمداد الخاصة بها وتقدير قدرتها على الاستمرار، ومن ثم الإفصاح للمجتمع وتعليق الأعمال لو مؤقتا.
في محور الموارد واستخداماتها، فإن العمل في القطاع الخيري يتسم بالمنافسة الشديدة للفوز بالموارد التي يضحي بها المتبرعون، وهذا التنافس كان يأخذ أشكالا بدائية لدينا، خاصة أن البعض لم يزل ينظر إلى العمل الخيري نظرة خارج السياق الاقتصادي. وتعد المنافسة على الموارد عملا غير مقبول أخلاقيا، وهذا فيه مغالطة كبيرة، ذلك أنه تسبب في ضعف أدوات التسويق وبدائيتها، وهذا تسبب في تأخير تطوير استخدام التقنية الحديثة والتسويق الإلكتروني، ومن استطاع خلال الأعوام الأخيرة تحقيق تطوير جزئي في هذا الجانب، فهو الآن الأقدر على البقاء والمنافسة، وأيضا استطاع تطوير أوقاف وأذرع استثمارية، وسيكون الضرر أكبر على المتأخرين. وفي هذا أشير إلى عبارات في تقرير صندوق النقد الدولي عن الائتمان العالمي، فالدول التي تمتلك نظاما صحيا قويا ستكون الأقدر على الوصول إلى الأموال، ومثله يمكن القياس للقطاع الخيري.
وأخيرا: إن اقتصاد القطاع الخيري تأثر بالوباء كثيرا، ولا شك أن العودة للعمل ستكون أشد صعوبة للجهات التي فشلت في الحفاظ على العاملين لديها - المتطوعين - ولم تكن لها ذراع استثمارية جيدة، كما أن العالم دخل إلى ما يشبه حالة الكساد الكبير وإن كانت التقديرات تشر إلى أنها حالة مؤقتة ستتراجع خلال النصف الثاني من هذا العام، لكن الأضرار ستكون قد وقعت فعلا، والتعافي لن يكون سهلا، ولتجاوز الأزمة والبقاء فاعلا، فإنني أشير في هذا الشأن إلى ما تنادي به دول الاتحاد الأوروبي من مفهوم الائتمان المشترك الذي من خلاله تقترض جميع الدول وتضمن جميع الدول. وأعتقد أن العمل الخيري يحتاج إلى تطوير مفهوم مماثل، مفهوم يمكن صياغته بالثقة المشتركة، حيث تضمن جهات خيرية أعمال جهات أخرى، وتدعمها بمساراتها الإلكترونية.
إنشرها