كيف « كورن » فيروس كورونا حياتنا ؟

|

نقرأ كثيرا حول طبيعة الحياة، التي تنتظرنا بعد أن نكون قد تمكنا إما من دحر جائحة كورونا أو، في أقل تقدير، احتوائها.
متى يأتي ذاك اليوم الذي يهرب فيه فيروس كورونا الخبيث منا كما نحن منه هاربون وفزعون وخائفون؟ لست أدري.
حسب أغلب الاستطلاعات والتقارير، فإن وباء كورونا المعروف بـ"كوفيد - 19" باق معنا لفترة ربما ليست قصيرة.
لقد ركن عدد غير قليل من العلماء والباحثين إلى قانون الطبيعة، الذي ينظم الحياة على وجه البسيطة التي نعيش فوقها، والذي يقول: إن أي كارثة، ومنها الأوبئة الفتاكة المعدية، لها عمر خاص بها.
فكما أن للطاعون والجدري والكوليرا والنزلات المختلفة، التي ضربت العالم بقسوة في السابق فترة حضانة في جسم الإنسان، كذلك لها فترة حضانة في الطبيعة التي تنتصر عليها في نهاية المطاف.
الطواعين بمختلف أشكالها والإنفلوانزات بمختلف أصنافها لا تموت. إنها تهرب مؤقتا وهي خبيرة بأساليب الخش والاختفاء.
والمخلوقات الصغيرة غير المرئية التي تنقل هذه الأوبئة إلى أجسامنا ذكية وخبيرة في مواجهة ما نستنبطه من وسائل، لدحرها أو أضعف الإيمان وضع حد لفتكها.
ونحن في حرب بلا هوادة معها، وإن سبقناها فهي دائما تبقى قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلينا ونبش أظفارها في أجسادنا.
انظر مثلا إلى النزلات المختلفة الوافدة والمتوطنة، التي نلوم الطير والخنزير والخيل والإوز والخفاش لتفشيها فينا.
منها ما ننسبه إلى مناطق جغرافية مثل الإنفلونزا الإسبانية، الأكثر حصدا للأرواح في التاريخ المعاصر، ومنها ما نعزوه إلى ما نعتقد أنه مسبب لها مثل إنفلونزا الخنازير، وإنفلونزا الطيور، ومنها ما نمنحه تسميات أخرى مثل فيروس إيبولا وفيروس سارس.
وها نحن اليوم نتقهقر أمام فيروس كورونا، الذي أدخل الرعب في قلوبنا رغم أن فتكه كجائحة مقارنة مثلا بالطواعين والإنفلونزا الإسبانية، لا يمثل حتى الآن إلا قطرة في بحر الموت والدمار، الذي كانت تخلفه الأوبئة في قديم الزمان، حيث كانت تحصد عشرات وعشرات الملايين من الأرواح وتكاد أحيانا تقضي علينا.
لماذا كل هذه الخشية؟ ولماذا شبه اليقين لدينا أن ما قبل ضربة هذا الوباء لن يكون مثل ما بعده؟ هذا إن منّ الله علينا بالعيش، كي نكون شهود عيان على اندحاره بعد أن وهن العظم منا واشتعل الرأس شيبا.
السبب واضح، نحن في عصرنا هذا كنا نؤمن إلى درجة اليقين أحيانا بأن الثورات الصناعية والتكنولوجية والرقمية، التي بدأنا نحرق مراحلها وبسرعات مذهلة، وما يرافقها من ابتكارات في العلوم الطبية والصحية ستحمينا وتجعلنا في منأى عن الجوائح، أو في أقل تقدير كنا نتصور أنه حال تمكنت الفيروسات الحاملة لها من رفع رأسها سحقناها بأقدامنا.
وفجأة يظهر وباء كورونا ويدحرنا ويهزمنا، ويفضي ليس فقط إلى تغييرات جذرية في أسلوب حياتنا، بل حتى طريقة أداء عباداتنا ومراسيمنا وشعائرنا.
في نحو 120 يوما، يجبرنا هذا الفيروس على إقفال الحياة بكل ما يرافق ذلك من تبعات على سبل العيش.
تصور ماذا يعني أن تقف عجلة الحياة في اقتصاد مثل الاقتصاد الأمريكي، الذي تساوي طاقة إنتاجه المحلي الإجمالي نحو 23 تريليون دولار؟
حقا لقد "كورن" فيروس كورنا حياتنا، وسيستمر في "كورنتنا" وستكون "كورنته" لنا من الشدة، وقد لا نتمكن من العودة إلى ما كنا عليه.
لكن مهما كان من أمر، حتى إن أعادنا الوباء عقودا إلى ما قبل هجومه علينا، لن يكون بمقدوره تغيير طبيعتنا البشرية في النظرة إلى الأسباب والمسببات، وما يلحقنا من أذى وما يصيبنا من مكروه.
سيظل التفكير غير المنطقي والمؤامراتي يتحكم فينا قبل وخلال وبعد الوباء المخيف هذا.
نقرأ كيف أن الدول "المتحضرة" و"المتمدنة"، التي لها قصب السبق في التطور التكنولوجي والصناعي والرقمي تقذف الاتهامات يمينا ويسارا دون دليل، وتلقي باللائمة لما حل بها بعدما أظهر فيروس لا مرئي أنها أهون من بيت العنكبوت.
وسنظل نرمي الآخر المختلف عنا سعة وميلا ودينا وتوجها وثراء ومكانة اجتماعية بالتهم، وننسب له قلة فطنته وفقدانه منطقه وجهله وعدم رقيه، للذي نحن فيه من وضع لا يحسد عليه بسبب الذي أوقعتنا الجائحة به.
وشكرا للسان الضاد الذي له قابلية فظيعة ليس للاشتقاق، بل للتطويع وتوطين الأعجمي من المصطلحات، حيث مكنني من اشتقاق ما أردته من الاسم الأجنبي للجائحة لإيصال فكرتي في هذا المقال.

إنشرها