حديث وزير المالية

|
كاتب ومستشار اقتصادي
نال حديث محمد الجدعان وزير المالية لقناة العربية هذا الأسبوع صدى واسعا، وتناوله أكثر من اقتصادي ومحلل بالتعليق على القنوات التلفزيونية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولا شك أن بعض العبارات التي جاءت في حديث الوزير تستحق التحليل والمتابعة، ولا سيما أن الحديث طويل وتضمن تفاصيل عن خطة الحكومة المالية لبقية العام المالي الحالي.
الجدعان تحدث عن الصعوبات التي تواجهها وزارته من جراء فيروس كورونا، وقال: إن المملكة لم تواجه مثل هذه الأزمة من قبل، وأكد أن الإيرادات ستنخفض بشكل كبير وسنتخذ إجراءات صارمة جدا وقد تكون مؤلمة، ويجب أن نخفض المصروفات بشكل كبير.
حديث وزير المالية جاء بعد يوم من تثبيت وكالة "موديز" تصنيف المملكة عند (A1)، بينما عدلت نظرتها المستقبلية من مستقرة إلى سلبية، والنظرة السلبية جاءت بالتأكيد، بسبب انخفاض عوائد النفط الذي انخفضت أسعاره من نحو 60 دولارا في بداية العام إلى ما يقل عن 30 دولارا خلال الشهرين الأخيرين، نتيجة انحسار الطلب عليه بما يصل إلى الثلث، بسبب كورونا وبسبب عدم اتفاق "أوبك +" بداية على خفض الإنتاج، قبل أن تعود مجددا للاتفاق وتخفيض الكميات بعشرة ملايين برميل من بداية الشهر الحالي.
الوزير أعلن نية وزارته زيادة الاقتراض بـ 100 مليار ريال ليكون حد الاقتراض 220 مليار ريال، كما أشار إلى أن السيولة متوافرة بشكل كبير جدا في القطاع المصرفي السعودي، وقال: إنه من المهم أن نخطط للأسوأ ونشد الحزام. تلك هي الإدارة المالية الحصيفة، وجميع الخيارات مفتوحة حاليا، ويجب أن نخفض مصروفاتنا بشدة.
بالطبع كلمات مثل شد الحزام، وجميع الخيارات مفتوحة، ويجب تخفيض المصروفات بشدة، وغيرها جعلت الجميع ينظر لحديث وزير المالية كأنه موجه إليه شخصيا، فالموظف العام يخشى على بدلاته، ومستفيد الضمان يخشى على إعانته، ومالك القطاع الخاص يخشى على مشاريعه مع الحكومة، والمزارع يخشى على معونته ... وهلم جرّا.
إلا أن للأمانة حديث الوزير لم يشر من قريب ولا من بعيد إلى نية الحكومة تخفيض امتيازات الناس التي يحصلون عليها، وإنما قال بالحرف الواحد: إن التقليص سيقتصر على بعض المشاريع، التي سيتم تمديد فترة تنفيذها بسبب توقفها حاليا في ظل فيروس كورونا، وتأجيل الصرف على بعض برامج "الرؤية"، التي لم يبدأ تنفيذها بعد.
اقتصاديا، لم يكن حديث وزير المالية صادما ولا مخيفا لنا كاقتصاديين على الأقل، بل كان حديثا شفافا وصريحا ومباشرا وجاء في وقته المناسب، فالوزير أكد استمرار الصرف والإنفاق على الأساسيات للمواطن، وأنه لا مساس بمعيشة المواطن، وهذا ما يهم الناس الذين يجب أن يطمئنوا لا أن يقلقوا بعد هذا الحديث.
وشخصيا، أرى أن تقليص بنود مصروفات الأجهزة الحكومية بما لا يقل عن 25 في المائة، وتأجيل تنفيذ المشاريع التي لم يبدأ تنفيذها إلى اليوم، وتقليص الإنفاق على بعض برامج "الرؤية" سيكون كافيا لتجاوز المرحلة الصعبة التي تعيشها الموازنة حاليا، كما أن الدين العام حتى مع زيادته بـ 100 مليار ريال ما زال في الحدود المقبولة كنسبة للناتج المحلي الإجمالي.
ختاما، الوزير تحدث عن أسوأ السيناريوهات و- بمشيئة الله - لن نصل إليها، كما أن تجربة المملكة مع تجاوز الصعوبات وإدارتها بعناية أمر مشهود، فقد اجتزنا مصاعب كثيرة من قبل، وسنتجاوز هذه الأزمة - بمشيئة الله - بأقل الخسائر، وحينما يبدأ العالم استعادة عافيته من كورونا وفتح الأسواق والطلب على النفط في الانتعاش، فسيعود الوضع الاقتصادي إلى ما كان عليه سابقا وربما أفضل، وساعتها سيعود الإنفاق كما كان، ويعود الاقتصاد إلى وضعه الطبيعي.
إنشرها