رسائل التسريح .. استغلال ذكي أم لطف وتقدير؟

|
من العجيب أن تسمع من يمتدح مسؤولا في شركة ما، لأنه أعلن فصل أو تقليص منافع موظفي الشركة. لكن هذا يحدث اليوم وبطرق متكررة ومختلفة. تظهر في أول وهلة كأنها حالات نادرة لمديرين رائعين يقومون بما لم يقم به غيرهم من قبلهم، فهم وإن اضطروا إلى القرار الصعب، إلا أنهم أظهروا بكل احترافية أن ما قاموا به عمل نبيل قاموا بتنفيذه بلطف وعبروا عنه بإحسان. والحقيقة، إن الشركة تخلصت مما تراه ثقلا يجب التخلص منه لتجاوز المرحلة الصعبة، وقامت في نهاية دورة قرارها الصعب بالإعلان عن طريق رسالة علنية باستخدام كلمات تدغدغ المشاعر، تشرح فيها كيف أنها قامت بما اضطرت إلى القيام به، وتحاول الإقناع عن طريق هذا الإعلان بأنها حرصت على أن يخرج الضحايا من أبوابها بأقل الخسائر على قدر الإمكان.
من آخر الرسائل التي تداولها المغردون حول العالم: رسالة براين تشيسكي، الرئيس المؤسس لشركة Airbnb التي تأثرت بشدة بسبب شلل السفر والتنقل، مثلها مثل جميع شركات الضيافة والسفر. احتوت الرسالة المتميزة حسب آراء من قرأها على عدد من منافع الموظفين، التي ستستمر لبضعة أشهر بعد الفصل واستخدمت لغة لطيفة ومتعاطفة. اشتملت المنافع على سبيل المثال، على برنامج للدعم النفسي لمدة أربعة أشهر، وتغطية تأمينية صحية لنهاية العام أو عام حسب مكان الموظف، وتخفيف بعض قيود برنامج تملك الموظفين الأسهم، حيث يتملك أسهم الشركة حتى إن فصل منها في هذا الظرف ومساعدات للبحث عن وظيفة.
عند المقارنة بين من يجيد التخاطب بهذه الرسائل العاطفية ومن لا يجيدها، سنجد أننا نفضل أن يظهر لنا اهتمام المسؤول بالمفصولين، وأن نراه وهو يعطي هذه اللحظات الصعبة حقها من الاهتمام. وبكل تأكيد، سنشعر أن حظ المفصول من شركة تهتم بطريقة فصله أفضل من أخرى تستخدم أساليب جافة أو فوقية، أو تقوم بالأمر دون مبالاة أو تقدير للظروف الإنسانية. لكن تصوراتنا تظل مجرد آراء للمتابعين والمهتمين، ولا تعكس بالضرورة وقع الفعل على المتضرر الأساسي، وهو الموظف الذي لن يهتم بلغة الرسالة بقدر أثر هذا الفعل في حياته.
تستخدم رسائل التسريح العلنية لعدة أسباب: من ضمنها التقليل من التكهنات وقتل الإشاعات، ومن ذلك أيضا الحفاظ على صورة إيجابية أمام المستثمرين والعملاء وبقية الأطراف المهتمة. التواصل العلني والواضح أمر مهم، فهو أفضل بمراحل من شركة تقوم بإرسال قراراتها، التي لا تسري بشكل عادل ومتزن للموظفين مباشرة دون توضيح ما قامت به وما حاولت القيام به. وأفضل كذلك من شركة تقوم بإرسال تعميم داخلي بلغة جافة ومختزلة حد الإجحاف، ثم تخرج هذه التعاميم للعلن بشكل مهرب غير رسمي. ولأن تسريح الموظفين في الغرب أمر عادي ومتوقع خلال الأزمات، ستجد هناك حتى الخبراء الذي يقدمون النصائح في هذا الباب، كيف تتخلص من الموظفين، وكيف تقوم بذلك بأقل الخسائر، وكيف تخرج كلماتك بلغة عاطفية صادقة، وكيف تمنحهم وعودا تستطيع الإيفاء بها؟. وهذا ما يقوم عليه الأسلوب الاقتصادي المتبع لديهم، الذي يشرع لفصل الموظفين عند الضرورة. ومع الأسف قد تتحول هذه الأداة الاضطرارية إلى وسيلة تسويقية ناجحة تنال التمجيد وتخضع للمقارنات، كأنها مسابقة لأفضل مشاعر حزن وعزاء.
تقييم موقف أي شركة يكون بقدرتها على تجاوز الوضع الصعب دون خسائر تمس ثروتها الأهم: الموظفين. المرحلة التي تلي ذلك، هي طريقة إدارتها هذه الخسائر إن أوجبتها الظروف. وهذا يعني، أن السؤال الأول سيكون: ماذا فعلت الشركة لتتجنب التخلص السريع من هذا الثقل؟ وكيف أصبح الموظفون ثقلا يجب التخلص منه؟ أي أن السؤال المطروح هنا يرتبط بمرونة نموذج عمل المنشأة، وقدرة فريقها الإداري على التكيف السريع مع الظروف الجديدة. من يعلن أنه لن يفصل أحدا رغم تأثره، هو في رأيي من يستحق التمجيد والتقدير. وعندما نتكلم بعدل، سنجد من القطاعات التي تكاد تنعدم لديها البدائل في الوقت الحالي. لهذا من المتوقع في كل الأحوال خروج هذه القرارات الصعبة من بعض الشركات، وهنا يجب أن يكون أسلوب التواصل بقدر الحدث. لكن، مهما أظهرت الشركة ومسؤولوها تعاطفا، فما حصل هنا هو التضحية بالموظف، وهذا فعل لا يستحق التمجيد ولا التهنئة ولا الإعجاب. هو مجرد ظهور يمتاز بالأفضلية عن تلك الشركة التي قامت بالفعل نفسه بصمت جاف وربما دون شفافية أو شجاعة.
إنشرها