عندما أعلن الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي عن إحدى أقسى عمليات الإغلاق في آسيا في جزيرة لوزون في منتصف آذار (مارس) الماضي، مرت شركة فلات بلانيت للاستعانة بالمصادر الخارجية بما يشبه "الجحيم طوال أسبوعين" حسب وصف كريس موريارتي رئيسها التنفيذي في مانيلا.
وبينما كانت نقاط تفتيش الشرطة منتشرة في أنحاء العاصمة مانيلا، هدد الرئيس دوتيرتي "بإطلاق النار" على منتهكي حظر التجول، كانت شركات الاستعانة بمصادر خارجية تتسابق للحفاظ على مراكز اتصالاتها وبياناتها قيد التشغيل.
في إشارة إلى الأهمية الاقتصادية لهذه الصناعة بالنسبة إلى الفلبين، تم السماح لشركات الاستعانة بمصادر خارجية - إلى جانب الصيدليات ومحال البقالة - بالبقاء مفتوحة شرط أن تفرض قواعد التباعد الاجتماعي وتوفر السكن للعاملين. مثل معظم الصناعة، طلبت شركة فلات بلانيت من الموظفين العمل من المنزل، باستثناء طاقم الموظفين الأساسيين.
يقول موريارتي: "تم إغلاق وسائل النقل العام، وكان علينا شحن أجهزة الكمبيوتر إلى منازل الناس وتثبيتها وترتيب الأمور للجميع".
مثل كثير من الصناعات في جميع أنحاء العالم، ألقى الوباء قطاع المصادر الخارجية في الفلبين، الذي تبلغ قيمته 25 مليار دولار في العام، ويشغل أكثر من مليون شخص، في حالة من الفوضى: بنك جيه بي مورجان وشركات أمازون وجوجل وفيسبوك كانت ضمن الشركات التي تضررت أعمال مكاتبها المساندة.
ينطبق الشيء نفسه على بنجالور الهندية، الرائدة في مجال الاستعانة بمصادر خارجية للأعمال. بعد أن أعلن رئيس الوزراء ناريندرا مودي عن إغلاق على مستوى البلاد في أواخر آذار (مارس) الماضي، اضطر ملايين الهنود الذين يعملون في مجال تكنولوجيا المعلومات والبيانات ومراكز الاتصالات في الهند، الذي تزيد قيمته على 100 مليار دولار إلى بدء العمل من المنزل.
على الرغم من الجزء الخارجي الذي يعتمد على التكنولوجيا العالية، ونموذج الأعمال القائم على صورة للعمل العالمي السلس على مدار 24 ساعة، يعتمد القطاع إلى حد كبير على البشر في مكاتب كبيرة أو "الجلوس على المقاعد" الوثيرة، على حد تعبير شائع لوصف الصناعة.
تم تعطيل كثير من الصناعات بشكل كبير بسبب الوباء، ولكن قطاع مراكز الاتصال يتحول بسببه الآن، فحسب. حتى قبل عمليات الإغلاق القسري، كان القطاع يشهد إدخالا تدريجيا للتكنولوجيا الجديدة القائمة على الذكاء الاصطناعي، يمكنها تولي بعض مهام البشر، وربما استبدال ملايين الوظائف.
يقول تنفيذيون في الصناعة، إن عملية التغيير التكنولوجي تتسارع الآن نتيجة لفيروس كورونا. تشمل الابتكارات الجديدة إدخال روبوتات دردشة يستخدم بعضها تكنولوجيا التعرف على الصوت عبر جهاز أليكسا من شركة أمازون، والبرامج التي يمكن أن تحل محل المهام المتكررة التي يمارسها البشر.
تبدو الصناعة الفلبينية التي بنت سمعتها على الاتصالات الصوتية الفعالة والمهذبة باللغة الإنجليزية الجيدة، معرضة للخطر بشكل خاص.
يقول موهانداس باي، وهو مستثمر تكنولوجيا في الهند، ومدير تنفيذي سابق في مجموعة إنفوسيس للتعاقد الخارجي: "بدأ الناس بطرح الأسئلة. حيث إننا نرى أنك تعمل من المنزل وهناك تأخر في الخدمة، فإننا سنستخدم مزيدا من الذكاء الاصطناعي ومزيدا من برامج الدردشة الآلية ومزيدا من الأتمتة. هذا تغيير دائم فالأتمتة ستوجه ضربة قوية للغاية إلى هذا القطاع".
يقول التنفيذيون الهنود، إن الصناعة ستكون أسرع الآن بإلغاء الوظائف في مراكز الاتصال، خصوصا إذا سمح الذكاء الاصطناعي والأتمتة لعدد قليل من المأمورين بعمل كان يتطلب في السابق العشرات.
يقول أحدهم: "لا يمكن أن يكون لديك أشخاص في جدول الرواتب لا يأتون إلى العمل. يجب الترشيد. الكل يفعل ذلك".
صناعة الاستعانة بمصادر خارجية في الفلبين، إلى جانب التحويلات المالية، من المصادر الرائدة في البلاد للنقد الأجنبي ومحرك رئيس للاقتصاد كان ينمو بمعدل سنوي يبلغ 6 في المائة، قبل أن يضرب فيروس كورونا.
اضطرت الشركات إلى نقل آلاف أجهزة الكمبيوتر المكتبية إلى منازل الموظفين لإبقائهم عاملين. يفتقر كثير من العمال الفلبينيين والهنود إلى الاستعانة بمصادر خارجية كافية للاتصال بالإنترنت أو مساحة مناسبة للعمل في المنزل.
عانت الإنتاجية إذ لا يمكن القيام بكل عمل على طاولة المطبخ: على سبيل المثال، الأعمال المصرفية التي تنطوي على الاستدعاء في شأن وكالة حسابات العملاء لا يمكن إجراؤها إلا في الموقع لأسباب أمنية.
حاولت شركات الاستعانة بمصادر خارجية طمأنة العملاء بأن موظفيها يعملون على شبكات آمنة، لكن بعض الشركات الغربية سعت مع ذلك إلى تقليل اعتمادها عليهم.
قالت شركة فيرجين ميديا الشهر الماضي، إنها ستوظف 500 عامل في مركز الاتصال في بريطانيا، نتيجة الاضطراب في آسيا.
يقول روجر بيدل مؤسس منصة ليمتلس للاستعانة بمصادر خارجية في لندن: "كثير من خطط استمرارية الأعمال تنظر إلى الانقطاعات في مركز واحد أو دولة واحدة في أسوأ الأحوال. الأمر الذي من غير المحتمل أن يكونوا قد خططوا له هو خسارة العمليات في كثير من الدول في الوقت نفسه".
الموظفون الذين يتمكنون من العمل في أماكن مثل، مانيلا الكبرى، بتعداد سكان يبلغ 12 مليون نسمة، قلقون على صحتهم. تم تصوير العمال المتعاقدين مع شركة أمازون في مركز اتصال مملوك لمجموعة تليبرفورمانس الفرنسية للمقاولات في مدينة سيبو في وسط الفلبين، من قبل زملاء ينامون على أرضيات المكاتب، لأن مهجع الشركة في الموقع كان ممتلئا ولم يتمكنوا من الذهاب إلى منازلهم عبر وسائل النقل العام. تحقق شركة أمازون الآن في الحادث.
تقول ميلين كابالونا، رئيسة شبكة بين BIEN وهي مجموعة مناصرة للعاملين: "معظم هؤلاء الأشخاص أصحاب عائلات، ولكن إذا لم يتمكنوا من الحصول على عمل، فلا يمكنهم الحصول على أموال. إنه خيار بين خطر الإصابة بالفيروس أو فقدان مصدر رزقك".
كثير من شركات الاستعانة بمصادر خارجية تضع العمال الذين لا يستطيعون الوصول إلى المكتب أو العمل من المنزل عمليا في إجازة "مؤقتة"، التي يخشى الموظفون أنها ستصبح دائمة.
رغم أن البعض يتقاضون رواتبهم، إلا أن الذين يعملون بموجب عقود "لا أجر من دون عمل" لا يحصلون على أجر.
تقول شبكة بين BIEN، إنها تلقت كثيرا من التقارير من العمال في مجموعات الاستعانة بمصادر خارجية الذين تم إعطاؤهم إجازات. وقالت "إيبيكس"، إنها تسعى "بقوة" إلى الحصول على طرق لإعادة الموظفين غير القادرين على العمل في الوقت الحالي، إلى العمل.
شركة فيسبوك التي توظف عددا لم يتم الكشف عنه من مراجعي المحتوى في الفلبين، تقول، إنها كانت في الأصل تزيد من استخدامها للأتمتة قبل الإغلاق، وقد زادت نطاقه منذ ذلك الحين.
شركة الوسائط الاجتماعية تستخدم الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال للكشف عن المواقع غير المرغوب فيها أو لتحديد التقارير المكررة، التي قد تقيد وقت كثير من المراجعين.
قالت الشركة في بيان: "قرار إرسال العمال المتعاقدين إلى الوطن لم يتخذ بسهولة؛ لكن هذا هو الإجراء الأنسب لحماية صحة الأشخاص الذين يعملون لدينا. سيتم دفع أجور العمال المتعاقدين طوال فترة وجودهم في المنزل، ونعمل على توسيع نطاق استخدامنا للتكنولوجيا لاستيعاب هذا التحول في العمليات".
تصف كثير من الشركات إعطاءها إجازات لموظفي الفلبين على أنها مؤقتة، لكن كثيرا من الموظفين يعتقدون أن التحول إلى العمل الجزئي على الأقل من المنزل سيكون دائما. ومن غير المحتمل أن تعود مراكز الاتصال الكبيرة - وهي أحجار الزاوية للصناعة الفلبينية - بشكلها ما قبل الجائحة.
يقول كيه إس كومار، كبير المسؤولين التجاريين في شركة سذرلاند للتعاقدات الخارجية في الولايات المتحدة، التي توظف الآلاف في كل من الفلبين والهند، إن الانتقال من مراكز الاتصال الكبيرة وعمليات المكاتب الخلفية سيكون دائما.
ويقول: "إنها دعوة للاستيقاظ للشركات التي كانت تمارس كثيرا من الأعمال في الفلبين. في الوقت الحالي، هناك مرافق كبيرة مركزة يعمل فيها آلاف الأشخاص في مكان واحد. سيتعين عليهم العثور على مواقع مختلفة، وتوزيع أكثر ذكاء للأماكن حيث يمكنهم الاستعانة بمصادر خارجية".
لم تنجح الفلبين قط في جذب هذا النوع من الاستثمار الأجنبي على نطاق واسع في التصنيع الذي غذى النهضة الاقتصادية في دول مثل، تايلاند وفيتنام، ويرجع ذلك جزئيا إلى موقعها الخارجي وجغرافيتها الأرخبيلية.
الاستعانة بمصادر خارجية - التي تعتمد على خطوط الهاتف بدلا من الشحن اللوجستي - سمحت للفلبين بالتغلب على هذه العيوب.
بدأت صناعة الاستعانة بمصادر خارجية في الفلبين في التسعينيات، في الوقت نفسه الذي كانت فيه شركات مثل، إنفوسيس رائدة في الاستعانة بمصادر خارجية للبيانات في الهند.
بدافع من الصدمات مثل الأزمة المالية عام 2008، بدأت بعض الشركات الأمريكية والأوروبية في أتمتة العمل في الهند، وبمرور الوقت، انتقلت مجموعات من مراكز الاتصال إلى الفلبين في الوقت الذي كانت فيه الشركات الأمريكية تنقل وظائفها إلى المستعمرة الأمريكية السابقة.
بحلول 2011، كانت الفلبين أكبر مركز في العالم لوظائف صناعة مراكز الاتصال، رغم أن قطاع المقاولات الخارجية الشامل في الهند يظل أكبر.
طفرة الاستعانة بمصادر خارجية وفرت دفعة للقطاعات الأخرى، بما في ذلك العقارات والشركات التي تعمل على مدار الساعة، التي تخدم الشركات التي تؤدي كثيرا من عملها ليلا.
تكنولوجيا المعلومات والاستعانة بمصادر خارجية توظف الآن 1.2 مليون فلبيني مباشرة في أكثر من ألف شركة، وفقا لجمعية تكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال الفلبينية، وهي هيئة للصناعة. وهناك 4.1 مليون شخص آخر يستفيدون بشكل غير مباشر. سجلت الصناعة 24.7 مليار دولار من الإيرادات في 2018، وهو آخر عام نشرت فيه الجمعية أرقاما.
كان نمو الصناعة في الفلبين يتباطأ حتى قبل الإصابة بفيروس كورونا، ويرجع ذلك جزئيا إلى انتشار الوظائف في الاتصالات الصوتية، تماما في الوقت الذي كان فيه بعض الشركات يتحرك في الأصل نحو الذكاء الاصطناعي.
يقول جريج ويات، مدير شركة بزنس إنتليجنس بي إس أيه الفلبين الاستشارية: "الميزة الحقيقية للفلبين هي أن الناس يتحدثون الإنجليزية جيدا، ولكن الأمر أقل أهمية مع الأتمتة".
في وقت تحل فيه الرسائل النصية محل الاتصالات الصوتية، فإن "روبوتات الدردشة" القائمة على الذكاء الاصطناعي والقادرة على الاستحواذ على جزء أو حتى معظم عمل العملاء البشر، في ازدياد. من بين اللاعبين الجدد الذين يعطلون الطرق القديمة والمكلفة لخدمة العملاء هناك، جهاز أطلقته أمازون لخدمات الويب في 2017.
بدأ المنتج المدعوم بتقنية التعرف على الكلام نفسها المستخدمة في المساعد الصوتي الذكي أليكسا من شركة أمازون، بتقديم الدعم الصوتي - التحدث مع العملاء - وتوسع منذ ذلك الحين للدردشة عبر الرسائل النصية.
يقول باسكال ديمايو، المدير العام العالمي لقسم أمازون كونيكت Amazon Connect: "رأينا بالتأكيد العملاء الذين وفروا المال من خلال أتمتة سيناريوهات معينة".
تأتي بعض الابتكارات الرائدة من الهند. شركة 247.ai، التي بدأت قبل عقدين من الزمن في الاستعانة بمصادر خارجية تقليدية، وأضافت عملاء افتراضيين مدعومين بالذكاء الاصطناعي يمكنهم التنقل ضمن مكالمات عشرة آلاف عامل في الفلبين والهند وأماكن أخرى.
وتقول الشركة التي يقع مقرها الرئيس في الولايات المتحدة، إنه منذ أن بدأ الوباء، فإن الطلب على بعض المنتجات الآلية قفز بنسبة تصل إلى 50 في المائة، ما يفوق بكثير ارتفاع الطلب على الخدمات البشرية.
يقول شانموجام ناجاراجان، الشريك المؤسس للشركة: "لم نر تحولا حتى الآن من وكلاء بشريين إلى الأتمتة، ولكن العملاء الحاليين يزيدون من حجم الخدمات الآلية. الضرورة ستفرض الاعتماد بشكل أسرع من ذي قبل".
كانت صناعة الاستعانة بمصادر خارجية في الفلبين تحذر الشركات من تحدي تكنولوجيا المعلومات منذ أعوام. أشار تقرير عام 2017 إلى أن 15 في المائة فقط من القوى العاملة في القطاع في وظائف ذات مهارات عالية، ما يكشف ضعف كثيرين في الصناعة أمام الأتمتة الكبرى.
تصر الشركات التي تعمل في مجال الاستعانة بمصادر خارجية في الفلبين على أن الانتقال من وكلاء مباشرين إلى مساعدة برنامج الدردشة الآلية، ليس لعبة محصلتها الصفر بالنسبة إلى العمال، حيث يمكنها تعزيز الإنتاجية إذا تم تدريب الأشخاص على المهام ذات المهارات العالية.
تعمل شركات للاستعانة بمصادر خارجية على روبوت يسمى AVA (مساعد افتراضي) يتولى مهام عادية ومتكررة من الوكلاء، حتى يتمكنوا من التركيز على الأعمال الأكثر تعقيدا التي تتطلب التفاعل البشري.
يقول بونج بورجا، رئيس شركة ألوريكا آسيا: "إذا كنت تقول في نفسك ’مهلا، الوضع الطبيعي الجديد هو أن 50 في المائة من العمل سيتم بواسطة الروبوتات‘، فلن يكون الأمر على هذا النحو". "سيكون هناك كثير من التحول الرقمي. ما تم قبل الفيروس، ربما يسرع ويوسع الاستخدام" ما بعده.
هناك شركات أخرى تعيد تصميم أعمالها في الفلبين من أجل واقع جديد سيلعب فيه العمل المنزلي دورا أكبر. وقالت شركة جوجل، إنها تقدم لأعضاء "قوتها العاملة الموسعة" المعدات والوصول عن بعد، بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر المحمولة الآمنة.
عادت شركة فلات بلانيت، التي تضررت في البداية بسبب الإغلاق، إلى العمل في مواقع متعددة - بما في ذلك مكتبها الرئيس - بتطبيق التباعد الاجتماعي.
يقول موريارتي من شركة فلات بلانيت: "سيكون هناك دائما بعض الوظائف في الفلبين للصوت، لكن النمو سيكون دون استخدام الصوت. السؤال هو، هل يمكن للفلبين أن توفر أشخاصا يتمتعون بمهارات كافية لتلبية الطلب؟".



