بعد الانهيار التاريخي .. ما الخطوة التالية للصناعة؟

|
في بداية الأسبوع الماضي وتحديدا يوم الإثنين الـ20 من الشهر الجاري، انهارت أسعار العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط إلى ما دون الصفر، وأغلقت عند سالب (ناقص) 37 دولارا للبرميل، وهو انهيار غير مسبوق، وكان بامتياز حدثا تاريخيا لم يسبق حدوثه منذ نشأة الصناعة النفطية ولا يمكن مقارنته بأي مثيل له. والسالب يعني؛ استعداد البائع لأن يسلم عقود النفط الأجلة للمشتري إضافة إلى مبلغ من المال لضمان التخلص من النفط المنتج لعدم توافر التخزين. وقد تسبب هذا الأمر في خسائر للبعض وأرباح لآخرين.

هناك تفسير منطقي لهذه الأرقام غير المسبوقة. حيث تعكس هذه عقود أسعار خام غرب تكساس الوسيط لشهر أيار (مايو)، الذي انتهى الأسبوع الماضي، فالانهيار انعكاس لتخلي المتداولين عن عقود أيار (مايو) والانتقال إلى حزيران (يونيو). التداول الضعيف لعقود شهر أيار (مايو) أفقده بعض الأهمية، في هذا الجانب قال المحللون، إن عقود حزيران (يونيو) التي تتداول بسعر 20 دولارا للبرميل اعتبارا من الـ21 من الشهر الجاري أصبحت الآن الرقم المهم الذي يجب مراقبته.

ومع ذلك، من الصعب تجاهل هذه الأرقام التاريخية التي ظهرت على شاشات التداول. مع انتهاء صلاحية العقود الآجلة، فإنها تميل إلى التلاقي مع حقائق السوق المادية physical market. أصبحت الأسعار سلبية لأن السوق المادية في أوكلاهوما وتكساس مرهقة للغاية بوفرة الإمدادات وامتلاء الخزانات. لقد وافق تحالف «أوبك+» على تخفيضات إنتاج غير مسبوقة، لكن ليس في نيسان (أبريل). على أي حال، فالتخفيضات تعد متواضعة مقارنة بتراجع الطلب. لكن معا، تأثير حرب الأسعار في جانب العرض يتصادم في الوقت نفسه مع أعمق انهيار في الطلب على النفط. والنتيجة كارثية حقا. لا أحد يريد أن يستلم خام غرب تكساس الوسيط في أيار (مايو)، ومع تضاؤل خيارات التخزين في بعض الأماكن،

قام المضاربون بتصفية مراكزهم وبيع العقود بخصومات غير مسبوقة. مع انتهاء العقد يوم الثلاثاء الـ21 من نيسان (أبريل)، لم يرغب أحد في الاحتفاظ بهذه العقود. مع عدم قدرة المتداولين على قبول التسليم المادي للنفط، انتهى الأمر بهم بالدفع لأي شخص لإزالة النفط من أيديهم. بالتأكيد، سينشر عدد من التقارير عن المتداول الأخير الذي علق بعقد أيار (مايو) غير المرغوب فيه.

في هذا الجانب، قالت محللت أسواق النفط في شركة Rystad Energy، في تقرير: "إن الانهيار السريع لأسعار خام غرب تكساس الوسيط اليوم هو بالتأكيد ملحمي من حيث الحجم، وهو إلى حد كبير حالة من الاضطراب قبل انقضاء صلاحية العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط لشهر أيار (مايو) التي تنتهي غدا وتتجلى مخاوف التخزين أخيرا". لكن إذا كنت تراقب الأسعار الفورية المادية في بحر الشمال، التي تتداول حاليا في نطاق 15 - 18 دولارا للبرميل، فإن هذا الانخفاض في العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط لأيار (مايو) ليس صادما.

من ناحية أخرى، ستتم الإشارة إلى الأسعار السلبية على أنها حدث غير طبيعي في الأسواق يحدث مرة واحدة، نتيجة تضافر غير مسبوق لحرب الأسعار (فائض في الإمدادات)، تفشي وباء خطير وتراجع اقتصادي كبير. قد ينسى هذا الحدث غير الطبيعي بسرعة، حيث ينتقل المتداولون إلى عقود خام غرب تكساس الوسيط للشهر الجديد الذي يتم تداوله بسعر 20 دولارا للبرميل. لكن على الرغم من أن حزيران (يونيو) لا يبدو كارثيا تماما، إلا أن النفط بسعر 20 دولارا للبرميل ليس سعرا يمكن لمعظم شركات النفط التعايش معه فترة زمنية طويلة. علاوة على ذلك، لا يوجد سبب للاعتقاد أن 20 دولارا للبرميل سيمثل الأرضية للأسعار، التراجع دون ذلك وارد جدا وحصل بالفعل.

من جهة أخرى، قال الرئيس التنفيذي لشركة شلمبرجير، إن الربع الثاني "من المرجح أن يكون الربع الأكثر غموضا وتعطيلا للعمليات لم تشهد مثله الصناعة من قبل على الإطلاق". وفي يوم انهيار الأسعار نفسه عرضت شركة Halliburton أيضا نظرة قاتمة لأسواق النفط. حيث قال الرئيس التنفيذي لشركة هاليبرتون في بيان، "نتوقع أن ينخفض النشاط في أمريكا الشمالية انخفاضا حادا خلال الربع الثاني ويظل ضعيفا جدا حتى نهاية العام ما يؤثر سلبا في جميع مواقع الإنتاج". هذا وقد سجل عملاق خدمات حقول النفط في الربع الأول من هذا العام خسارة صافية قدرها مليار دولار.

وفي الأسبوع الذي سبق الانهيار انخفض عدد منصات النفط بنحو 66 منصة، وهو انخفاض حاد آخر. وفقد حوض العصر البرمي Permian وحده 33 منصة حفر. لقد بدأ بالفعل انخفاض الإنتاج، لكن هناك حاجة إلى مزيد من عمليات الإغلاق على المدى القصير حيث تتعرض الأسعار الفورية لضغوط هائلة.

في نهاية المطاف، لا تزال أسواق النفط تحت رحمة تفشي جائحة كورونا. حيث إن تفشي الوباء أوقف مظاهر الحياة وأبقى مليارات عدة من الناس في البيوت نتيجة الحظر المفروض. الضربات تستمر. على سبيل المثال، انخفض الطلب على وقود الطرق في الهند بـ50 في المائة. راجع المحللون بشكل متكرر توقعات الطلب على النفط، مع إدراك متزايد أن الصدمة على الطلب ستكون أطول مما كان متوقعا في السابق. في نيسان (أبريل) الجاري على الأقل، سينخفض الطلب بمقدار 29 مليون برميل يوميا، حسب وكالة الطاقة الدولية.

قد لا تكون هذه الأرقام غير المسبوقة كبيرة جدا في أيار (مايو) وما بعده، لكن هناك فرصة ضئيلة بأن يرتد الطلب العالمي إلى 100 مليون برميل في اليوم في أي وقت قريب، إن كان ذلك ممكنا. في هذا الصدد، قال مارك لويس رئيس أبحاث الاستدامة في BNP Paribas Asset Management، في صحيفة فاينانشيال تايمز، إننا ربما شهدنا للتو ذروة دائمة في الطلب على النفط. كما أن تحسين الكفاءة ومزيدا من المركبات الكهربائية وكذلك التغييرات الدائمة في سلوك المستهلكين الناشئة عن الوباء، قد تعزز من ذروة الاستهلاك.
إنشرها