الثلاثاء, 22 سبتمبر 2026|9 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

حين كنت فتاة صغيرة، تعلمت أن الإرادة الشخصية تتفوق على أي تحيزات اجتماعية. وقيل لي، إن إيماني بنفسي سيجعلني قادرة على تحقيق أي هدف أطمح إليه، وإن التمييز بين الجنسين ليس عائقا يستحيل تجاوزه.

واكتشفت فيما بعد، حين أصبحت امرأة راشدة أن نصيحة والدي كانت عين الحكمة. ففي إفريقيا، هناك فجوة بين الجنسين في الحصول على الخدمات المالية تنبع من نظرة رائدات الأعمال لأنفسهن. وتضع هذه النظرة الذاتية عديدا من النساء على هامش القطاع المالي في إفريقيا غير قادرات على الادخار أو الاقتراض أو بناء رأس المال.

وعلى مستوى العالم، يتسم حصول النساء على التمويل بالانخفاض على نحو غير متناسب. فرغم التقدم الكبير الذي تحقق عموما، بزيادة عدد مالكي الحسابات المصرفية بنحو 1,2 مليار شخص عام 2017 مقارنة بـ2011، وفقا للبنك الدولي لا تزال هناك فجوة قدرها 9 في المائة بين النساء والرجال في الحصول على الخدمات المالية. وفي إفريقيا جنوب الصحراء، تمتلك 37 في المائة من النساء فقط حسابات مصرفية، مقابل 48 في المائة من الرجال، وهي فجوة لم تتسع إلا في الأعوام القليلة الماضية. بل إن الأرقام أسوأ من ذلك في شمال إفريقيا، حيث لا يزال ثلثا السكان البالغون تقريبا لا يمتلكون حسابات مصرفية، وتبلغ فجوة الحصول على التمويل بين الجنسين 18 في المائة، وهي الأكبر على الإطلاق في العالم.

وتثير هذه الأرقام اللافتة للنظر تساؤلات ملحة بالنسبة لصناع القرار في إفريقيا. فما الذي يدفع استمرار الفروق بين الجنسين في الحصول على التمويل عبر دول القارة؟

وما سبب اتساع هذه الفجوة الآن مقارنة بما كانت عليه منذ عشرة أعوام رغم كل الجهود المبذولة؟

إن الرؤية السائدة بين الاقتصاديين هي، أن القيود على جانب العرض، مثل، أسعار الفائدة المرتفعة وشروط الضمان، لها دور كبير في إقصاء النساء من سوق الائتمان الرسمية. فتقييد الائتمان من حال أسعار الفائدة المرتفعة يثني رائدات الأعمال عن طلب القروض مقارنة بالرجال، بينما يمكن أن يؤدي افتقارهن للضمانات إلى تقليل فرصهن في الحصول على القروض مقارنة بأقرانهن من الذكور. وحتى عندما تتاح للنساء فرصة الحصول على الائتمان، عادة ما يواجهن ترتيبات إقراض أكثر تشددا مقارنة بالرجال. لكن فرط تركيز الأكاديميين وصناع السياسات والمختصين على جانب العرض في سوق الائتمان يعني، أن عوامل الطلب وآثارها في فجوة الحصول على التمويل بين الجنسين تم إغفالها إلى حد كبير، ولا سيما في إفريقيا. لكن سلوك النساء في اتخاذ القرار له دور كبير أيضا في هذه الفجوة بين الجنسين.

ففي سوق الائتمان، تفشل رائدات الأعمال حتى في تقديم طلبات الحصول على الائتمان بسبب عوامل مثل، ضعف الإلمام بالأمور المالية، والعزوف عن المخاطر، والخوف من الفشل. ومن البديهي أن نتوقع للنساء اللاتي يخترن مسار ريادة الأعمال أن يكن على الأقل في مستوى رواد الأعمال نفسه من حيث القدرة التنافسية. لماذا إذن تبتعد النساء بإرادتهن عن سوق الائتمان؟

تشير أدلة جديدة مستمدة من أسواق الائتمان في 47 بلدا إفريقيا إلى أن رائدات الأعمال في إفريقيا عموما وفي شمال إفريقيا خصوصا من المرجح أن يقصين أنفسهن عن سوق الائتمان بسبب انخفاض جدارتهن الائتمانية حسب تصورهن. فهؤلاء النساء لم يتقدمن بطلبات للحصول على قروض أو خطوط ائتمان بناء على تصورهن الشخصي أن طلباتهن ستقابل بالرفض. وتخلص دراستنا إلى أن من الأرجح حدوث الإقصاء الذاتي عن سوق الائتمان بين مديرات الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر مقارنة بأقرانهن من الرجال. وعلاوة على هذه النتيجة المهمة، لاحظنا ثلاث ظواهر مذهلة تعزز فرضيتنا عن تأثير "جانب الطلب" أولا، إجراءات طلب الائتمان المعقدة والشروط غير المواتية للحصول على القروض والائتمان لم تثن رائدات الأعمال عن طلب الائتمان. ثانيا، لم نجد ارتباطا بين الإقصاء الذاتي لرائدات الأعمال والجدارة الائتمانية الملاحظة لشركاتهن. وأخيرا، استمر إقصاء النساء لأنفسهن حتى في غياب أي ممارسات تمييزية في عمليات الإقراض، ما يشير إلى أن هذا السلوك ليس مجرد رد فعل للتمييز الذي تمارسه المؤسسات المالية... يتبع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية