الأربعاء, 16 سبتمبر 2026|3 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

في حربها ضد فيروس كورونا، تقاتل ألمانيا خصما بقوة الفيروس نفسه تقريبا - التزام الألمان العميق بخصوصية البيانات وعدم الثقة بـ"رأسمالية المراقبة".

خلال الأسابيع المقبلة، ستكشف حكومة أنجيلا ميركل عن تطبيق جديد ابتكره بعض المعاهد العلمية الرائدة ومطورو البرامج في ألمانيا، ليحذر مستخدمي الهواتف الذكية إذا كانوا على اتصال مع أي شخص مصاب بالفيروس.

يأمل المسؤولون في أن يسمح التطبيق لألمانيا بالابتعاد عن إجراءات الإغلاق الصارمة دون التسبب في زيادة هائلة في الإصابات الجديدة بفيروس "كوفيد - 19". أعلنت جوجل وأبل الأسبوع الماضي أنهما تتعاونان على نظام تتبع اتصال مماثل.

قال كريستيان دروستن، رئيس معهد علم الفيروسات في مستشفى شاريتيه في برلين والوجه العام لاستجابة فيروس كورونا في ألمانيا: "إذا أردنا الخروج من هذه القيود على المخالطين، فإننا بحاجة إلى أداة أخرى. نحتاج حقا إلى هذا التطبيق ونحتاج إلى إقناع أكبر عدد ممكن من الناس باستخدامه".

لكن في دولة عاشت عقودا من التطفل المؤسسي من قبل مخابرات ألمانيا الشرقية وقسوة الجستابو، هناك مخاوف كبيرة من أي شيء ينم عن مراقبة جماعية.

قال جوليان تيكي، رئيس شركة WeFox للتأمين التي تتخذ من برلين مقرا لها، وهو من مؤيدي أحد أكثر التطبيقات الواعدة باللغة الألمانية، الذي تم تطويره من قبل مجموعة تسمى "أصحاء معا" Gesund Zusammen: "مرت ألمانيا بنظامين إرهابيين، لذا فإن الوعي بشأن خصوصية البيانات أعلى من أي مكان آخر في بقية العالم".

أوضح أن 50 مليون ألماني سيتعين عليهم تنزيل التطبيق لكي يكون صالحا للعمل - أكثر من العدد الذي يستخدم حاليا منصة واتساب. أضاف: "الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي من خلال حملة واحدة قوية بحيث يقف وراءها الجميع - الحكومة ووسائل الإعلام".

لكن مقاومة المدافعين عن الخصوصية ستكون قوية. منتدى علماء الكمبيوتر من أجل السلام والمسؤولية FIFF وصف التركيز الحالي على التطبيقات باعتبارها "المنقذ" لجميع الأغراض، بأنه "إشكالي للغاية".

قال المنتدى: "في حالات الطوارئ يجب أن نكون يقظين بشكل خاص وأن نقاوم الإغراءات السريعة للحلول التكنولوجية البسيطة للمشكلات الاجتماعية المعقدة للغاية".

يحاول مؤيدو "أصحاء معا" استمالة المتشككين من خلال تأكيد اعتماد حماية البيانات بطريقها لا تشوبها شائبة، مشيرين إلى أن التطبيق يستند إلى إطار توفره مبادرة على مستوى أوروبا تعرف باسم "تتبع القرب لعموم أوروبا للحفاظ على الخصوصية" PEPP-PT، حيث وضعت 130 شركة ومؤسسة أكاديمية معا معايير للتطبيقات التي تتوافق مع قوانين الاتحاد الأوروبي الصارمة المتعلقة بالخصوصية.

وعندما سئلت يوم الأربعاء لماذا كان هناك وقت طويل لتشغيل التطبيق، قالت ميركل إنه كان عليه أولا الخضوع لاختبارات من قبل وكالة الأمن السيبراني الوطنية في ألمانيا، BSI، ومسؤول حماية البيانات في الحكومة "لضمان عدم تعرض أي من مكوناته لنقاط ضعف". وأضافت: "كل هذا يستغرق وقتا طويلا".

جزء من جاذبية تطبيقات تتبع المخالطين يكمن في التأثير الذي أحدثته في دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة. لكن النظام الكوري استخدم أيضا بيانات مثل لقطات كاميرات المراقبة ومعاملات بطاقات الائتمان لإعادة تشكيل تحركات حالات "كوفيد - 19" المؤكدة – وهي طرق تعد في ألمانيا انتهاكا صارخا للخصوصية.

من المرجح أن يكون التطبيق الألماني أقل تطفلا بكثير، ويعتمد فقط على اتصال البلوتوث بدلا من تتبع الموقع الجغرافي. قال تيكي إنه يعتمد على "مصافحة البلوتوث" التي تحدث عندما يتفاعل الهاتف الذكي مع الأجهزة الأخرى القريبة. أضاف: "سأقوم بتسجيل هويتك على هاتفي، وأنت تسجل هويتي على هاتفك - ثم يكون كله على الجهاز".

عندما يقوم المستخدم بتغيير حالته ويشير إلى ثبوت أنه إيجابي لفيروس كورونا، يتم إرسال هذه المعلومات إلى خادم يقوم بعد ذلك بتنبيه جميع المستخدمين الذين كانوا قريبين من الشخص المصاب.

لكن البلوتوث ينطوي على قيود مقارنة بتتبع الموقع الجغرافي. يقول لويس بايز، وهو مطور في كيب تاون ساعد على بناء تطبيق "أصحاء معا": "البيانات الجغرافية مفيدة جدا في حالات العدوى غير المباشرة. إذا كان هناك شخص (مصاب بفيروس "كوفيد - 19") في مصعد قبل دخولك مباشرة، البلوتوث لن يلتقط ذلك".

ميزة التطبيقات المستندة إلى البلوتوث هي أنها مجهولة المصدر - لا يتم تخزين أي معلومات شخصية أو بيانات الموقع أو علامات أخرى. لكن لاينوس نويمان، من Chaos Computer Club، أكبر شبكة قراصنة في أوروبا، قال إن "الحد الأدنى من التغييرات" فقط هو المطلوب لتدمير سرية التطبيق.

ثم هناك التحدي المتمثل في إقناع عدد كاف من الأشخاص بتنزيل التطبيق بحرية. يقول الباحثون إن نحو 60 في المائة من السكان سيحتاجون إلى استخدامه لكي يكون فعالا.

قال ستيفان جروس-سيلبيك، من حاضنة التكنولوجيا BCG Digital Ventures: "عندما تنظر إلى مدى انضباط الناس في الالتزام بإجراءات الإغلاق، أعتقد أنهم سيكونون منفتحين جدا على استخدام هذه التكنولوجيا".

لكن آخرين يرون أن الدولة يجب أن تدفع الألمان بنشاط إلى قبول التطبيق. قال أكيم بيرج، رئيس مجموعة الضغط الرقمي Bitkom: "يجب أن تكون هناك حوافز - مثل مكافأة الناس بتسهيل وصولهم إلى الاختبارات أو حرية الحركة الإضافية". اقترح ثورستن فراي، عضو البرلمان عن حزب ميركل الديمقراطي المسيحي CDU، منح امتيازات ضريبية للمشاركين.

يدافع آخرون عن نهج أكثر صرامة. قال تيلمان كوبان، رئيس اتحاد الشباب، جناح الشباب في الاتحاد الديمقراطي المسيحي، يجب تثبيت التطبيق تلقائيا على جميع الهواتف المحمولة.

أضاف: "يجب على كل مستخدم للهاتف الذكي الحصول عليه مع آخر تحديث على هاتفه المحمول وتحديد ما إذا كان يريد المشاركة والمساعدة، أو ما إذا كانت لديه أسباب معقولة لعدم القيام بذلك".

أثار هذا استجابة غاضبة من نواب المعارضة. قال كونستانتين فون نوتز، المتحدث باسم حزب الخضر حول السياسة الرقمية: "هذا تسميم لثقة المستخدمين التي نحتاج إليها بشدة" من أجل انطلاق التطبيق.

شركات التكنولوجيا تعارض أيضا. قال بيرج إن الالتزام بتنزيل التطبيق سيؤدي إلى "مقاومة هائلة في المجتمع وبين دعاة الخصوصية ويلحق ضررا أكثر مما ينفع. نحن في ألمانيا، وليس في بولندا أو الصين".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية