النفط .. قراءة في التصرف الروسي

|
أحد أشكال الحالة الجديدة في سوق النفط ظهور أربعة لاعبين رئيسين على المشهد، المملكة وروسيا مصدّران وأمريكا والصين مستوردان. أمريكا حالة خاصة، حيث إنها ثاني أكبر مستورد ومصدّر أيضا للنفط الصخري بما له من خصائص وتكاليف إنتاج عالية. المنتجون الثلاثة الكبار يشكلون أكثر من ثلث العرض العالمي. تعاون روسيا مع "أوبك" كان دائما غير مؤثر، لكنه كان مؤشرا جيدا إلى تعاون "أوبك" مع مصدّر مهم رغبة في استقرار السوق. غير مؤثر؛ لأن استعداد روسيا لتقليص الإنتاج كان محدودا، فهي في الأغلب "راكب مجاني". اجتماع "أوبك" الأخير كان بداية النهاية لتعاون روسيا مع "أوبك"، على الأقل في هذه الجولة. تحملت "أوبك"، خاصة المملكة، عدم تعاون روسيا لحين وصلت السوق إلى نقطة تحول جديدة مع نقص الطلب الحاد على أثر أزمة كورونا، خاصة أنها بدأت لدى أكبر مستورد للنفط - الصين. حين وصلنا اجتماع "أوبك" في السادس من آذار (مارس) 2020 كان واضحا للجميع أنه دون تعاون روسيا وآخرين خارج "أوبك" لن تستطيع "أوبك" تحمل تقليص الإنتاج وحدها. الأقرب أن روسيا كان لديها رؤية مختلفة عن "أوبك"، ولذلك اختارت عدم التعاون، أو بالأحرى الانكشاف على دور لم يكن حيويا. الرؤية الروسية بعدم التعاون كانت مبنية على عدة عناصر، بعض هذه العناصر يلتقي مع بعض المنتجين والبعض الآخر يختلف. الأهم أن روسيا رأت أنها قادرة على تحمل تبعات سوق مشبعة بالعرض لعام أو عامين.
الرؤية الروسية اعتمدت على عدة عناصر منها، أن النفط الروسي ليس عالي التكلفة في الإنتاج على الأقل مقارنة بالصخري والكندي "أكبر مصدر لأمريكا"، لكنها بالتأكيد أعلى تكلفة من النفط السعودي وربما آخرين في الخليج على الأقل. كذلك رأت أن مركزها المالي ونقطة التعادل مع الميزانية عند نحو 50 دولارا للبرميل أفضل من أغلب دول "أوبك"، وبالتالي لديها القدرة على تحمل سعر أقل لمدة أطول "سأناقش نقطة التعادل في مقال مقبل". وأيضا رأت أن مرونة أسعار الصرف "تعويم الروبل مقابل الدولار" تعطيها مساحة لتعديل الأسعار الداخلية بما يتماشى مع النقص في الدخل من خلال قبول أسعار أعلى للسلع المستوردة "تضخم أعلى"، وبالتالي تمرير جزء من التكلفة على عاتق المستهلك الروسي، هذه تكلفة ربما معتبرة؛ إذ إن روسيا ليست اليابان أو ألمانيا تصنيعيا، مرونة غير متوافرة للدول التي تأخذ بتثبيت عملتها مقابل الدولار. أيضا هناك اختلاف آخر مع دول "أوبك" جيواستراتيجيا، فروسيا ترى أنها دولة منافسة لأمريكا من ناحيتين، هناك غضب روسي من ضغوط المقاطعة الأمريكية، وبالتالي استهداف النفط الصخري في عام انتخابي ربما "كرت" ضد أمريكا، وهناك بعد آخر في التنافس على السوق الصينية مع أمريكا، خاصة في الغاز لكن أيضا في النفط. وأخيرا ربما لنا أن نتوسع في قراءة التصرفات ونذكر عاملين آخرين، ربما هناك اختلاف بين رؤية قيادات الشركات مثل شركة روسنفت التي تنتج نحو 41 في المائة من الإنتاج الروسي، ومديرها المقرب من بوتين؛ ووزارة الطاقة، وربما أن قراءتهم لتصرف دول "أوبك" كانت خاطئة، إذ ربما لم يتصورا أن "أوبك"، خاصة المملكة، ممكن أن تأخذ باستراتيجية الحصة السوقية إذا لم تتعاون روسيا بجدية أكثر نظرا للنقص الحاد في الطلب. ربما جاء التعاون الروسي في الاتفاق الأخير كردة فعل على القراءة السابقة الخاطئة لموسكو على تصرف "أوبك".
الخلاف والاختلاف حاضران لأسباب مادية واعتبارات معنوية وقراءات مستقبلية، فربما إحدى ضحايا الفيروس انكشاف دور روسيا كـ "راكب مجاني" في قطار "أوبك"، لكن هذا لا يعني أنه ليست هناك مصالح مشتركة في المديين المتوسط والطويل، وبالتالي مساحة للتعاون، حيث ذكر ذلك وكيل وزارة الطاقة الروسي. لعل أكبر دليل على تغير الموقف الروسي بسرعة، الانضمام مع "أوبك" لتقليص نحو عشرة ملايين برميل بين 23 دولة بداية من أيار (مايو). رغم بعض العناصر التي تجعل روسيا في مركز مالي أفضل من بعض دول "أوبك" إلا أنها في الأخير دولة نفطية ويشكل النفط عماد المالية العامة، إما مباشرة من خلال الضرائب وامتيازات الإنتاج أو غير مباشرة نظرا لدوره الرئيس في الاقتصاد الروسي. الحديث في هذا المقال إلى الآن يدور حول العوامل المحرّكة لأحد أقطاب العرض وتفاعله مع الآخرين، لكن العامل الأهم في حال السوق اليوم؛ ليس العرض بل الطلب. لذلك هناك تفسير رائج في الإعلام الغربي الاقتصادي أن هناك منافسة أو حتى حرب أسعار بين المملكة وروسيا. الإشكالية الأساسية في الطلب وليس العرض لذلك ليس هناك خلاف روسي - سعودي في الجوهر. في المدى القصير سيتأثر السعر بمدى التعاون في تقليص الإنتاج حسب الاتفاق، وأيضا في انتظار انفراج الحركة الاقتصادية عالميا، خاصة في قطاع النقل الحاسم. في المدى المتوسط، توازن السوق سيعتمد على مدى سرعة التعافي من الركود الاقتصادي. في المدى البعيد، سنبدأ نؤسس لموجة أخرى من عدم التوازن بين العرض والطلب، وسنجد أسبابا مختلفة وربما لاعبين مختلفين للعبة تتكرر.
إنشرها