الأربعاء, 23 سبتمبر 2026|10 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

بينما يبدو أن عددا من الدول يحاول فتح أبوابه، فقد تصدرت إيران عناوين الصحف باعتبارها إحدى الدول التي تعيد فتح أبوابها تدريجيا؛ فهي من جهة تعاني وضعا اقتصاديا صعبا يشتمل على انهيار غير مسبوق لأسعار النفط، وعقوبات أمريكية جديدة. لكن استمرار النظام الإيراني في التعامل مع الأزمة باستخفاف قد يثير تساؤلات، عما إذا كان سيخطئ في إدارة إعادة فتح البلاد أيضا، وإذا ما كانت البلاد ستصل إلى مرحلة يصبح فيها التهميش الذي يختبره الشعب الإيراني كافيا ليشكل نقطة أساسية للإطاحة بالنظام؟ شكلت إخفاقات إيران في التعامل مع أزمة فيروس كورونا نوعا من أزمة وجودية للنظام؛ لقد عجز عن الاعتراف بتفشي الفيروس في وقت مبكر وعن احتوائه، كما عجز عن إدارة الاستجابة الصحية العامة التي يتطلبها وباء كورونا، الأمر الذي أثبت عدم مبالاة النظام برفاهية شعبه، ما أدى بدوره إلى ازدياد شعور الشعب بالتهميش، بحسب ما يرصده تقرير الباحثين شایان أریا الإیراني الناشط في مجال حقوق الإنسان، والدكتور نير بومس باحث مختص ومن مؤسسي موقع CyberDissidents.org.

وتذكرنا الكارثة التي تكشفت خيوطها في إيران - وبأكثر من طريقة - بأسوأ حادثة نووية شهدها التاريخ، وهي تلك التي وقعت في الاتحاد السوفياتي السابق قبل 34 عاما؛ يعد كثيرون الكارثة النووية التي وقعت في "تشيرنوبيل" وأودت بحياة آلاف كحادثة أسقطت الاتحاد السوفياتي بعد خمسة أعوام، والأهم من ذلك، فقد ساعدت كارثة "تشيرنوبيل" التي وقعت في عام 1986 الشعب على إدراك أن النظام السوفياتي استمر في الكذب عليه لأكثر من 70 عاما، وفي حين سارع قادة الاتحاد السوفياتي إلى طمس معالم الكارثة، إلا أن إنكارهم وكذلك جهودهم البطيئة لاحتواء التسرب، كشفا عن استعداد للتضحية بأرواح البشر من أجل أن تحفظ الدولة ماء وجهها، وهذا الواقع الذي لم يعد من الممكن إنكاره أو إخفاؤه، بعد أن اتسع نطاق كارثة "تشيرنوبيل"، دفع المواطنين الموالين إلى التشكيك في حكومتهم، وأدى هذا المثال الصارخ لفشل الدولة إلى تفكك النظام بأكمله.

ونتيجة التجاوب البطيء للنظام الإيراني الحالي، كما قادة الاتحاد السوفياتي، انكشف استهتارهم بشعبهم، الأمر الذي يبدد شيئا فشيئا وهم السيادة؛ ففي الاتحاد السوفياتي السابق، فتح هذا الشعور بخيبة الأمل المجال أمام برنامج إعادة هيكلة "البيريسترويكا" أكثر متانة، وهذا ما كشف بدوره عن آليات تخويف كانت قد ساعدت في الإبقاء على أجهزة النظام. وعلى الرغم من اختلاف ديناميكيات الدولتين في أكثر من جانب، إلا أن احتمال أن تشهد إيران حالة شبيهة بتلك التي تلت كارثة "تشيرنوبيل" مرتفع جدا بالنسبة إلى المنطقة والعالم.

ويجدر التنويه بأن وباء كورونا وصل إلى مرحلة خطرة بالنسبة إلى الدولة الإيرانية؛ فخلال الأشهر الستة الفائتة، اضطرت إيران إلى رفع الضرائب في معرض الاستجابة للعقوبات الاقتصادية الخانقة والنفقات المرتبطة بالثورات في لبنان والعراق ضد الأركان المدعومة من إيران ووكلاء إيران في الحرب القائمة في سورية واليمن، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، ارتفعت أسعار النفط ثلاثة أضعاف مثيرة غضبا شعبيا، فاندلعت الاحتجاجات في أنحاء 140 مدينة وبلدة، مطالبة الحكومة بإعادة الضرائب إلى ما كانت عليه وتغيير الأجندة السياسية بإطلاق هتافات نحو "نرغب في العيش في إيران لا في الموت في سورية"، ورد النظام على أعمال الشغب بقتل أكثر من 1500 محتج واعتقال آلاف غيرهم.

وبعد فترة وجيزة من عملية القمع العنيفة هذه، أودت طائرة من دون طيار أمريكية بشكل مفاجئ بحياة قاسم سليماني، وهو القائد العسكري الأعلى قدرا في إيران والمشرف على الحروب بالوكالة للنظام في سورية ولبنان واليمن، وعلى أثر الصدمة الأولى، حاول النظام استغلال وفاته بترتيب جنازة ضخمة، لكن حتى جنازة أقوى قائد عسكري إيراني استخدمت ضد الشعب الإيراني، إذ سُحق أكثر من 75 شخصا حتى الموت خلال المراسم، كما أن محاولة الحرس الثوري الإيراني للرد على الهجوم أصابت عن طريق الخطأ طائرة مدنية أوكرانية، ما أسفر عن مقتل 175 شخصا من ركابها، كثيرون منهم مواطنون إيرانيون، وأثار هذا التصرف وما تبعه من محاولة تستر موجة محلية وعالمية من إدانة النظام، ولا سيما بعد المحاولات الأولى التي قامت بها الحكومة الإيرانية للتستر على تورطها.

وأمام ازدياد هذه العلامات التي تشير إلى خروج الأمور عن سيطرة الدولة، حاول النظام الإيراني رفع معنويات الشعب من خلال استعراض نسبة كبيرة من المقترعين خلال الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شباط (فبراير)، هذا وقد وضحت أعداد الناخبين الرسمية كثيرا من الأمور؛ فعلى الرغم من المناشدات المتكررة التي صدرت عن المرشد الأعلى، أظهرت الانتخابات النسبة الأقل من الأصوات في أكثر من 40 عاما، كما أظهرت مقاطع فيديو من جميع أنحاء البلاد مراكز اقتراع فارغة حيث يشارك عدد قليل جدا من الأشخاص في عملية الانتخاب.

وما اتضح جدا فيما بعد هو استعداد الحكومة الإيرانية لطمس أزمة أخرى أيضا، هي فيروس كورونا، فأصبح سوء إدارة الأزمة أكثر جلاء مع ارتفاع عدد الإصابات والوفيات؛ فبدءا من 26 آذار (مارس) وصل عدد الحالات إلى 29406 حالات موثقة و2234 حالة وفاة.

وبالتالي من الطبيعي أن يشعر الإيرانيون بالخوف والارتباك؛ فقد جاءت نتيجة فحص كثيرين من المسؤولين إيجابية، بما في ذلك رئيس فريق العمل المعني بمكافحة فيروس كورونا في إيران، أجرى إراج حريرشي رئيس فريق العمل مؤتمرا صحافيا، قلل فيه من خطورة التفشي مصرحا بأن الفيروس لن يصيب إيران، وأن "إجراءات الحجر الصحي من عادات العصر الحجري"، وتبينت إصابة حريرشي بالفيروس بعد فترة وجيزة من خطابه وخضع للحجر الصحي، فقد ساعد إنكار عدد من المسؤولين، مثل حريرشي على منح الفيروس الوقت الكافي للانتشار في إيران والمنطقة كاملة، واصل أيضا الفيروس الانتشار بين أفراد الحكومة، فأسفر عن إصابات ووفيات في صفوف المشرعين وأعضاء المجلس وغيرهم من المسؤولين المرموقين.

وأشارت التصريحات العامة إلى مدينة قُم - وهي إحدى أقدس المدن الإيرانية وديار رجال الدين والمعاهد الدينية الشيعية - بأنها مصدر فيروس كورونا في إيران؛ فقد بقيت المزارات مفتوحة في مدينة قُم على الرغم من تنبيه الهيئة الصحية المدنية التي تعزي انتشار الفيروس إلى مدن أخرى، كما أن اختلاف الإحصاءات الناتجة من مدينة قُم يسلط الضوء أكثر فأكثر على المحاولات المتكررة التي تقوم بها الجمهورية الإيرانية للكذب بشأن التفشي؛ فقد ثارت الشكوك حول عدد الوفيات الفعلي من الفيروس عندما أبلغ أحمد أمير آبادي فراهاني ممثل مدينة قُم وكالة أنباء العمال الإيرانية ILNA بأن 50 شخصا قضوا نحبهم منذ 13 شباط (فبراير)، ما يتعارض مع التصريح الإيراني الرسمي بوفاة 12 شخصا فقط منذ 19 شباط (فبراير)، واعترف فراهاني أيضا بأن "أداء الإدارة في السيطرة على الفيروس غير ناجح"، و"لم أر الإدارة تتخذ حتى الآن أي إجراء معين لمواجهة فيروس كورونا".

وما زاد من تفاقم الأزمة قرار النظام الإيراني بمواصلة كثير من الرحلات الجوية الدولية بعد مرور وقت طويل على إثارة مسألة إغلاق الحدود؛ ففي حين أغلقت الدول المجاورة حدودها مع إيران لمنع انتشار فيروس كورونا، تواصل إيران تسيير رحلات طيران "ماهان إير" التابع للحرس الثوري الإيراني إلى كثير من المدن الصينية على الرغم من الحظر واسع النطاق الذي فُرض في أواخر كانون الثاني (يناير) على الرحلات الجوية إلى الصين، واستخدم طيران "ماهان إير" أيضا لنقل الأسلحة والموارد بالنيابة عن "فيلق القدس"، لكن هذه المرة يبدو أن تلك الرحلات قد جلبت الفيروس التاجي أيضا.

وبعد ما تركه فيروس كورونا من تأثير في معظم دول العالم والتحديات الأولى التي واجهت إيران وفشل النظام في معالجتها، يتم التساؤل الآن عما سيتعلمه المواطنون الإيرانيون من تجربتهم مع فيروس كورونا، وبالتالي كتب جورباتشوف بعدما أمعن التفكير في كارثة "تشيرنوبيل"، "إن الانصهار النووي في "تشيرنوبيل".. حتى أكثر من إطلاقي برنامج "إعادة الهيكلة"، كان على الأرجح السبب الأساس لانهيار الاتحاد السوفياتي بعد مرور خمسة أعوام. وبالفعل، شكلت كارثة "تشيرنوبيل" منعطفا تاريخيا قسم البلاد إلى حقبتين، حقبة ما قبل الكارثة والحقبة المختلفة جدا ما بعد الكارثة".

وفي حين يشارف عام النظام الإيراني المأساوي على نهايته، أُهمل الشعب الإيراني في ظل نظام يواصل السعي إلى ثورة لم تعد تخدم مصالح جيل الشباب الذي يشكل الآن أغلبية السكان، وعلى خلاف سقوط الاتحاد السوفياتي، لا يظهر النظام الإيراني سوى رغبة محدودة في "إعادة الهيكلة"، لكن بما أن الوضع الراهن متشرذم حاليا، فمن المحتمل أن تقبع البلاد على فوهة بركان "تشيرنوبيل" خامد، وفي حين يسعى كثيرون إلى تصور التغييرات العالمية التي ستتكشف بعد فيروس كورونا، يجب في النهاية النظر إلى ذلك كفرصة فريدة أمام الشعب الإيراني، الذي سبق أن استعاد الشارع للتعبير عن غضبه، للمطالبة بالتغيير. وربما يحدث ذلك هذه المرة بالزخم المطلوب للانتقال من الثورة إلى إعادة الهيكلة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية