مرت أشهر على جائحة كورونا، ولا يزال النظام العالمي الصحي يستنزف، لتجاوز هذه الأزمة، التي كلفت البشرية مئات الآلاف من الموتى، جراء إصابتهم بهذا الفيروس، الذي غزا العالم منطلقا من الصين في ظروف غامضة لم توضح بكين - من حيث انطلق الفيروس، ظروف نشأته ودواعي انتشاره، ما فاقم الأزمات للدول، متجاوزا خطورة الوضع الصحي الصعب في الدول، بتهديد الاقتصاد العالمي أجمع، إضافة إلى توقف أشكال الحياة كافة حول العالم، وسط محاولات لإنتاج لقاح يوقف عداد الإصابات والوفيات، والأدهى والأمر من ذلك سرعة انتشار العدوى، التي استدعت لجوء الحكومات إلى فرض قوانين الطوارئ.
واضطرت الحكومات لفرض قانون منع التجول، لمنع انتشار الفيروس، وألزمت المواطنين والمقيمين على أراضيها بالتزام بيوتهم، ليس خوفا منهم، لكن خوفا عليهم، ما أوجد حالة إعادة الثقة بين الحاكم والمحكوم والرئيس والمرؤوس.
وقدم عديد من الحكومات العربية، كحكومتي المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، المواطن على الاقتصاد، حاسمتين الجدل حول، من هو أهم؟، بحسب وجهة نظر دول أخرى، مفادها الصحة أم الاقتصاد، لتأتي كلمة الفصل، قاطعة بأن صحة الإنسان فوق كل اعتبار، فأغلقت الحدود، وتوقفت الملاحة البحرية، وتوقفت حركة الطيران، وعطلت المدارس والجامعات وكل أشكال الحياة، للحفاظ على صحة الإنسان؛ لكن هنالك خلف البحار والمحيطات، انهارت أسطورة الإنسانية الملائكية، التي تمكن الغرب من رسمها في مخيلتنا، إذ كانت حساباتهم مختلفة جملة وتفصيلا، فلا صوت يعلو فوق صوت الاقتصاد، وحركة المال والأعمال، التي دفعت أعلى الجهات في السلطات الحاكمة، للدعوة إلى إعادة الحياة كما كانت عليه، معتمدة على ثقافة مناعة القطيع، على الرغم من وصول الإصابات حدود المليون إصابة.
كلمة حق تقال في جنود المملكة العربية السعودية، فهم يواجهون في هذه الأيام المباركة الصعبة آفتين، الأولى عرفناها بأنها كورونا، لكن الثانية، وهي هنالك جنوب البلاد، فهنالك من يضمر الشر والسوء لشعب وقيادة المملكة، لكنه أكثر خطورة وشرا من آفة كورونا، الذي غزا العالم دون تفريق في اللون والجنس والانتماء والولاء والجنسية والعرق، أما الآفة التي ابتلينا بها على مشارف حدود البلاد الجنوبية فهي أكثر كرها وحقدا وانصياعا لعدو العرب الأزلي؛ لذلك بوركت السواعد التي تحارب الوباء كورونا، والوباء الحوثي، فهم اليوم أيقونة العز والشرف، التي يتغنى بها المواطن والمقيم أمنا وأمانا.
كما تحتضن شوارع المملكة جنود الوطن البواسل، لفرض قوانين المنع والإغلاق، على الرغم من الصيام وصعوبة الظروف الجوية المتقلبة، ما يضفي على العامة شعورا بالمسؤولية والوعي، بأهمية الالتزام بالقوانين والقرارات التي فرضتها الحكومة، ما يسهم في تضافر الجهود، ويحقق السرعة والدقة في انتهاء تفشي هذه الجائحة، بتقليص أعداد الإصابات، ما يقلل الخطر، ويعجل بعودة الحياة إلى ما كانت عليه. وحرصا على سلامة الناس واحتياجاتهم، سخرت حكومة خادم الحرمين الشريفين قدراتها لخدمة المواطن والمقيم على حد سواء، من خلال تشكيل لجان متخصصة في اتخاذ القرارات، حيث سهلت على الناس سبل العيش والحياة خلال شهر الصوم، بفتح جزئي للجهات الخدمية المتعلقة بطريقة العيش بشكل مباشر، إضافة إلى فتح حركة المرور بشكل محدود ضمن أوقات محددة.
وضمن أجواء معركة فيروس كورونا، هنالك جيش أبيض من الأطباء والممرضين ومن خلفهم من كوادر طبية، ترفع لهم القبعات إجلالا واحتراما على ما يقدمونه من جهد نبيل، للحفاظ على الأرواح، هذه الكوادر العريقة، لم تكن وليدة اللحظة إنما بنيت طوال الأعوام الماضية، من خلال برامج الابتعاث، وتمكين الشباب السعودي، بالإنفاق عليهم من مخصصات الدولة وميزانيتها، للحصول على أجيال من الأطباء والكوادر الطبية، التي ردت الجميل إلى الوطن، وجعلته في مقدمة الدول على الصعيدين الطبي والصحي، ولم يقتصر دورهم على ذلك، بل كانوا خير سفراء وممثلين للمملكة في مختلف أنحاء العالم، مقدمين خدماتهم الإنسانية باسم السعودية، نظرا إلى كفاءتهم وما يمتلكونه من قدرات ومهارات.
ختاما، تستدعي يوميات الجائحة الوقوف عندها، وإعادة الحسابات بمنطقية وعقلانية، بعيدا عن ثقافة غسل الدماغ والتعبئة، التي استخدمت سابقا على شعوب المنطقة. اليوم وقفت الحكومات في موقف المسؤول المدرك، الذي يضحي بكل ما لديه من إمكانات، حفاظا على الإنسان، فقط الإنسان دون أي حسابات أخرى، قد تعرّض هذا الكيان أو ذاك إلى الخطر، كما وقف المواطن والمقيم بكل وعي ومسؤولية خلف قيادته ملتزما بتعليماتها، ومحافظا على هيبتها وسمعتها ببقائه في منزله حتى لا تنتشر هذه الجائحة، حالة الالتفاف خلف القيادة حالة فريدة من نوعها، تضفي صورة إيجابية على كل أطراف الحركة الوطنية، ما يمكن الدولة من التطور والبناء بشكل أفضل.

