الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

جائحة فيروس "كوفيد - 19" صاحبتها انخفاضات حادة في قيم الأسهم. انخفضت أسعار الأسهم نحو 20 في المائة في جميع أنحاء العالم منذ أن أصبحت خطورة الجائحة معروفة.

من الواضح أن هذه أنباء محبطة بالنسبة للمستثمرين في الشركات المدرجة في البورصة. لكنها مخيفة أكثر بالنسبة للذين يتبعون استراتيجيات ذات رفع مالي عال. ربما يكون هذا الانخفاض وحده قد أكل احتياطي الأسهم الضئيل الذي يحمي رهاناتهم من الإفلاس. هذا هو السبب في أن مجموعة من الشركات المثقلة بالديون في القطاعات المتضررة بشدة - مثل شركات الطيران والمطارات - تناشد الحكومات بصوت عال لإنقاذها.

بالطبع، ليست كل الشركات مسؤولة عن مأزقها. ببساطة، لم يبن كثير من الشركات الصغيرة احتياطيات الميزانية العمومية بحيث تتحمل فترة طويلة من انعدام الدخل أو محدوديته. فعلت الحكومات الصواب في اتباع سياسات لمساعدة هذه الشركات من خلال تقديم الإعانات المخصصة لتغطية التكاليف والحصول على رأس المال عن طريق برامج القروض المضمونة.

لكن بالنسبة للآخرين، كان اتباع الاستراتيجيات ذات الرفع المالي العالي خطوة واعية تهدف إلى تضخيم العائدات. فهي تشكل عاملا رئيسا وراء التوسع الاستثنائي في اقتراض الشركات على مدى العقد الماضي، عندما وصلت الأرصدة غير المسددة من ديون سندات الشركات غير المالية على مستوى العالم إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 13.5 تريليون دولار العام الماضي، وهو ضعف مستواها بالقيمة الحقيقية في عام 2008، وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

هذه المجموعة من الشركات ذات الرفع المالي الكبير - وخاصة الجهات المقترضة من الدرجة الأدنى في الولايات المتحدة وأوروبا – تشكل خطرا يهدد بتضخيم حدة الأزمة. من المحتمل أن تؤدي هشاشتها إلى زيادة حالات الإفلاس، والأصول الخاملة، وتشتت القوى العاملة الماهرة أكثر مما كان سيحدث لو كان الأمر خلافا لذلك.

الرفع المالي العالي يجعل العوائد أكثر تقلبا – في كلا الاتجاهين، صعودا وهبوطا. عادة يجب أن يكون الخوف من الخسارة نوعا من الفحص الذاتي للإفراط في الاقتراض. لكن السياسة النقدية في العقود الأخيرة تخلصت من هذه الآلية، حين دعمت السلطات الأسواق عندما انهارت وفشلت في تهدئتها عندما تضخمت الفقاعات. نتيجة لذلك توالت المخاطرة المفرطة عبر النظام المالي، ما أدى إلى إنشاء شبكة من الحوافز التي تشجع رؤساء الشركات على تحمل مزيد من الديون.

لن يكون أي من هذا مفاجئا لهيمان مينسكي، الاقتصادي الأمريكي المتوفى عام 1996. أشار مينسكي إلى كيف يمكن للترتيبات المالية الحصيفة أن تفسح المجال لما أطلق عليه "تمويل بونزي"، وهو عندما تكون الجهات المقترضة غير قادرة على سداد ديونها أو سداد أصل الدين من الدخل الحالي. المقترضون الذين يتبعون مخطط بونزي يعتمدون على إعادة التمويل مقابل ضمان ارتفاع أسعار الأصول للحفاظ على بقائهم.

قبل فترة طويلة من إشادة الاقتصاديين بعصر "الاعتدال العظيم" من التضخم المنخفض والنمو المستقر الذي سبق الأزمة المالية، جادل مينسكي بأن الاستقرار نفسه كان يزعزع الاستقرار لأن الناس استجابوا للأوقات الجيدة بتغيير سلوكهم تجاه المخاطرة.

تم الكشف عن الطريقة التي أصبحت بها الأسواق الآن مثل مخطط بونزي في بعض التحليلات من ماتيو ميش، استراتيجي الائتمان العالمي في "يو بي إس". ينظر ميش في كيفية قيام أكثر الجهات المقترضة اتخاذا للمخاطر - المدعومة من قبل الأسهم الخاصة – بعمل إجراء يعرف باسم ebitda (احتساب الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك) لتبدو أكثر جدارة بالائتمان وبالتالي قادرة على الحصول على قروض أكبر.

ولعل المثال الأكثر إثارة للسخرية هو عندما قامت إحدى الشركات الأمريكية بتحويل خسارة حجمها 933 مليون دولار إلى 233 مليون دولار من خلال ما وصفته بـ"احتساب الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك المعدلة حسب المجتمع" (مستبعدة معظم نفقات التشغيل الأساسية). انتقل مثل هذا الفساد إلى أوساط الجهات المقترضة من الدرجة الأدنى - خاصة التي في سوق قروض الرفع المالي التي تبلغ قيمتها 1.3 تريليون دولار، معظمها في الولايات المتحدة.

في سياق الركود الناجم عن الفيروس الذي يخفض، مثلا، من 20 إلى 25 في المائة من عائدات هذه الجهات المقترضة، يقدر ميش أن الانخفاض الفعلي من المحتمل أن يكون 40 في المائة، ببساطة "بسبب الكشف عن الممارسات المحاسبية العدائية". يمكن أن يؤدي انهيار الميزانية العمومية على هذا النطاق إلى زيادة كبيرة في حالات التخلف عن سداد الديون وحالات الإفلاس.

ربما يكون المستثمرون الذين يسعون وراء تحقيق العائد قد قبلوا بأوهام احتساب الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك في الأوقات الجيدة، لكنهم الآن أقل ثقة. ارتفعت الهوامش في أسواق قروض الرفع المالي وغيرها من القروض ذات العائد المرتفع، وانخفض إصدارها بحدة.

مع إغلاق الاقتصادات، يعتمد كثير على صورة الركود. الاكتشاف المبكر للقاح ربما يسمح بحدوث انتعاش. الإغلاق لفترة أطول لن يؤدي إلى زيادة الضرر المالي فحسب، بل ربما يغير سلوك المستهلك بطرق تضر ببعض نماذج الأعمال القائمة.

يعتقد مينسكي أن الأزمات مهمة كونها تجعل الناس أكثر حذرا. الكساد الكبير جعل الجيل التالي من الأمريكيين أكثر تجنبا للمخاطر، بينما جعلت إصلاحات "الصفقة الجديدة" النظام المالي أكثر أمانا.

منذ أزمة عام 2008 كان التغيير سطحيا. المصارف الأكبر من أن تفشل أصبحت أكثر ضخامة. توسعت الأسهم الخاصة، من خلال نهجها المتعجرف تجاه المسؤولية المحدودة، لاستيعاب شريحة أكبر من قطاع الشركات ذات الرفع المالي المتزايد.

لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه "لحظة مينسكى" أم لا. لكن الدرس الأهم هو درس قديم: الاتجاهات التي لا يمكن أن تستمر إلى الأبد لا تستمر إلى الأبد. عندما انتقل الفيروس كنا بحاجة إلى استعادة مزيد من الاحترام للمخاطر المالية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية