عندما تفشى فيروس كورونا في الصين وصف الرئيس شي جين بينج الوضع بأنه "أكبر حالة طوارئ صحية عامة" منذ تأسيس الصين 1949، وخلال فترة تفشي الجائحة الكورونية في الصين فرض حظر صحي غير مسبوق على عشرات الملايين من الأشخاص.
وعلى الرغم من الجهود التي بذلتها الحكومة الصينية لمواجهة الوضع، إلا أن تأثير الفيروس في الفقراء، الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الحجر الصحي، ولديهم قدرة أقل على الوصول للإمدادات الصحية، ويفتقدون احتياطيات مالية يمكنهم الاعتماد عليها، كان أكثر وضوحا.
رغم الشوط الكبير، الذي قطعه الحزب الشيوعي الصيني في الحد من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي في البلاد، فإن ذلك التباين لا يزال واحدا من المشكلات الرئيسة، التي تواجهها الصين، رغم الوعود الرسمية بالقضاء عليه.
ووفقا لعديد من الخبراء، فإن تفاوت الدخل لعب دورا كبيرا خلال مواجهة الصين للأزمة، فقد ارتفعت تكاليف الطعام والمستلزمات الطبية مع تفشي الفيروس، ما جعل أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة في وضع صعب يرجح معه أن تتراجع مستوياتهم الحياتية العام المقبل مع تقلص مدخراتهم.
وتقول لـ"الاقتصادية"، الدكتورة إيرنستلي براين أستاذة الاقتصاد الآسيوي في جامعة جلاسكو، إن "معدلات النمو المرتفعة في معظم اقتصادات شرق وجنوب شرق آسيا، تدفع كثيرا من الأشخاص إلى تناسي تنامي فئة العمالة منخفضة الدخل، وهؤلاء لا يتمتعون غالبا بشبكة من الضمان الاجتماعي، وقطاع كبير منهم يدخل ضمن العمالة الموسمية وغير الرسمية، وهذا يجعل من الصعب عليهم الحصول على إعانات ضد البطالة في حالة الأزمات، وهؤلاء كانوا من أكثر الفئات تعرضا لفيروس كورونا".
وتضيف إيرنستلي، أنه يجب الأخذ في الاعتبار طبيعة الحياة المعيشية لتلك الفئة، خاصة في المدن، حيث يعيشون في غرف مكتظة ويفتقدون الرعاية الصحية الضرورية.
وتظهر البيانات الرسمية أن الأسر الأشد فقرا في الصين كانت الأكثر تضررا، ففي الربع الأول من هذا العام، ارتفعت الأسعار في المناطق الريفية أكثر من المدن، وانخفض الإنفاق، واستهلكت الأساسيات نسبة أكبر من المعتاد من الدخل، وانخفض متوسط رواتب العمال بنحو 8 في المائة، ولا يتوقع أن يعود عشرات الملايين من العمال إلى وظائفهم لبعض الوقت.
الوجه الآخر من العملة تمثل في تحقيق عدد من أثرى أثرياء الصين أرباحا بالمليارات خلال الأزمة، خاصة أصحاب شركات الأدوية، فقد أسهمت الأزمة في زيادة القيمة الصافية لشركة هانسو للأدوية، التي يمتلكها زونج هويجوان بمقدار 2.2 مليار دولار، أي ما يعادل 16 في المائة من قيمة الشركة، التي وصلت الآن إلى 16.6 مليار دولار في الأسبوع الأول من مارس الماضي، والشركة التي تنتج أدوية مضادة للعدوى والسكري والأورام واحدة من الشركات الصينية المدرجة في بورصة هونج كونج.
أما سون بياوياج وزوجته تشونج أصحاب إحدى أكبر شركات الأدوية في الصين، فقد زادت قيمة شركتهما بنحو 1.3 مليار دولار لتصل الآن إلى 13.6 مليار دولار، وارتفعت قيمة أسهمها في بورصة شنغهاي، بينما خرج الملياردير سين جوندا بوصفه الفائز الأكبر خلال الأزمة، إذ ارتفع صافي ثروته بنحو 21 في المائة، وحقق أرباحا تقدر بنحو 7.8 مليار دولار بفضل مكاسب الأسهم التي حققتها شركته لإنتاج العقاقير الدوائية، وبالطبع امتدت الاستفادة من الأزمة إلى الشركات المنتجة والموردة لأجهزة المستشفيات في الصين والشركات العاملة في مجال الأغذية أيضا.
ويوضح لـ"الاقتصادية"، إل. دي روجر الخبير الاستثماري قائلا "وفقا لتقرير جديد أعده مركز أبحاث هورون، فإنه خلال الشهرين من 31 يناير إلى 31 مارس، اختفى أكثر من 400 مليار دولار من جيوب أغنى 100 ملياردير في العالم بسبب فيروس كورونا، وهذا يعني أن جميع مكاسبهم على مدى عامين ونصف العام تبخرت خلال هذه الأزمة".
لكن المثير للاهتمام أن تسعة فقط لم يخسروا خلال تلك الأزمة والتسعة جميعهم من الصين، ويعتقد روجر أن الأوراق المالية في الصين لم تتعرض لذات الخسارة، التي تعرضت لها نظيرتها الأمريكية والأوروبية، فقد تراجعت البورصات العالمية إلى أرقام غير مسبوقة في بعض الأحيان، السوق الوحيدة التي ارتفعت كانت الصين على الرغم من أنها زادت بنسبة طفيفة للغاية 0.2 في المائة.
وتشهد الصين حاليا حملة ضخمة لمحاولة تصحيح الخلل، الذي أوجده انتشار فيروس كورونا على مستوى النسيج الاقتصادي– الاجتماعي، إذ يتم حث الأثرياء، خاصة الذين حققوا أرباحا مالية ضخمة خلال الأزمة على التبرع بشكل عاجل بجزء كبير من ثروتهم لجهود الدولة للتصدي للوباء، ومساعدة ملايين الصينيين، الذين اهتزت حياتهم نتيجة الجائحة.
وبالفعل، فقد خصص بعض المليارديرات مبالغ ضخمة من أموالهم للمساعدة، لكن أعضاء آخرين من النخبة الثرية تعرضوا لانتقادات بسبب ما وصف إعلاميا بافتقادهم شعورا حقيقيا بأهمية التلاحم الاجتماعي في تلك اللحظة.
لكن الدكتور جورج ألبريت أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة لندن يعتقد أن التعامل مع الزيادة في ثروات الأثرياء نتيجة المكاسب التي حققوها أخيرا، يجب أن يتم بصورة منظمة تصب في النهاية في خدمة الاقتصاد الكلي للصين.
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "إذا تم التعامل مع الأمر من منطلق تبرعات أو مساعدات من قبل الأثرياء للأشخاص المتضررين، فلن يتم التأسيس لعمل أصيل يمكن أن ينقذ الاقتصاد الصيني من تراجع معدلات النمو، خاصة في ضوء التقارير العلمية التي تتحدث عن إمكانية وجود موجة ثانية من الوباء، فالمنح السخية جدا يمكن أن تحجب حقيقية أن العطاء الخيري للأثرياء، لم يحدث تأثيرا حقيقيا على الاقتصاد الصيني".
ويشير ألبريت إلى أنه من المهم البحث عن إطار مؤسسي لضمان أن تصب تلك الأرباح في مصلحة مزيد من التوسع الرأسمالي مستقبلا لاستيعاب مزيد من الأيدي العاملة، والتغلب على الأضرار الناجمة عن ارتفاع معدلات البطالة في الوقت الحالي.
هناك مجموعة متباينة من الآراء المطروحة حول أفضل الأطر، التي يمكن أن يساهم بها الأثرياء الصينيون في دعم الاقتصاد الصيني في المرحلة المقبلة، وفي هذا الإطار، تقول لـ"الاقتصادية"، صوفي هوبكنز الخبيرة المصرفية والاستشارية السابقة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إن زيادة معدلات الإقراض ستمثل نقطة محورية في المرحلة المقبلة لدعم الاقتصاد الصيني.
وتضيف صوفي أن "الضغط الاقتصادي أدى إلى زيادة الطلب على القروض، وهناك شكوك في قدرة النظام المصرفي الصيني لتلبية إجمالي تلك الاحتياجات، وحتى إذا قام النظام المصرفي بذلك، فإن مستويات المخاطرة البنكية ستزداد، خاصة أن جزءا كبيرا من الراغبين في الحصول على القروض من الطبقات الفقيرة والمتوسطة".
وتطرح صوفي هوبكنز تصورا أوليا بأن تقوم المؤسسات والشركات والمصانع بتحمل مسؤولية إقراض العاملين فيها أو تلبية جزء من احتياجاتهم الاقتراضية، وبذلك يتم تخفيف الضغط على النظام المصرفي الصيني، وزيادة الطلب الاستهلاكي في الوقت ذاته، ما يتيح رفع معدلات النمو الاقتصادي.
إلا أن هذا الطرح لا يأخذ في الحسبان أن آليات العمل به تزيد من درجة الضغط على الميزانيات الخاصة بعديد من المؤسسات الصينية، ما قد ينعكس سلبا على القدرة الإنتاجية لتلك المؤسسات، بل والأكثر خطورة أنه قد يصنع حالة من التصارع في الأداء الوظيفي بين النظام المصرفي والمؤسسات الصينية.
وتؤدي تلك الاعتراضات إلى أطروحات بديلة من أبرزها اقتراح البروفيسور جان لي الأستاذ الزائر في مدرسة لندن للاقتصاد، الذي أوضح لـ"الاقتصادية"، أن "الاستهلاك الصيني قد ينخفض 11 في المائة هذا العام إذا لم تقم الحكومة بزيادة التحفيز الاقتصادي، وحيث إن الأسر ذات الدخل المنخفض عانت أكثر من غيرها، فإن بكين في حاجة إلى سياسة جديدة في مجال الدعم، تستهدف الفقراء".
ويضيف أن هذا يمكن أن يتطلب تغيرا في النظام الضريبي، وهو أمر مشروع في ظل الأرباح المالية، التي حققها الأثرياء خلال جائحة كورونا.
ويعترض البروفيسور جان لي على الاقتراحات الخاصة بالتوزيع النقدي المباشر على المواطنين، مشيرا إلى أن ذلك سيعزز من معدلات الادخار في الأغلب، وسيؤدي إلى انخفاض في معدلات الفائدة البنكية، وهو ما سيصب في مصلحة الشركات الكبرى ليزيد الأثرياء ثراء في نهاية المطاف.

