من الصعب تحديد أسماء الشركات الرابحة أثناء الكارثة الاقتصادية الأخيرة. على أن شركة أمازون تغرد خارج السرب.
منصة التجارة الإلكترونية العملاقة، التي تستفيد من إغلاق كثير من المتاجر الحقيقية على أرض الواقع، شهدت ارتفاع مبيعاتها العالمية إلى 11 ألف دولار في الثانية، وتسعى جاهدة إلى توظيف 175 ألف عامل للتعامل مع الطلب الإضافي.
مجازيا، من المفيد بيع عيدان تناول الطعام عندما يريد العالم تناول "النودلز". رغم انهيار سوق الأسهم، ارتفع سهم أمازون 30 في المائة هذا العام، ما رفع القيمة السوقية للشركة إلى 1.2 تريليون دولار.
ما الذي تفعله "أمازون" بشكل صحيح - وخاطئ - في أوقات الأزمات؟ يمكن القول، إن الشيء الأكثر استثنائية بشأن "أمازون" هو ثقافتها المؤسسية. رغم أنها نمت لتصبح شركة ضخمة متعددة الجنسيات بنحو مليون من العاملين، إلا أنها تلتزم على نحو منتظم بموجهات الشركة التي حددها جيف بيزوس في 1997، عندما طرح أسهم شركته عبر الإنترنت على العامة.
في خطابه الأول إلى المساهمين، الذي أعيد طبعه في كل تقرير سنوي منذ ذلك الحين: أورد بيزوس مهمة شركة أمازون: كن مهووسا بالعميل؛ وابتكر بجنون، وتعلم من إخفاقاتك الحتمية؛ واستثمر بشكل كبير لضمان قيادة السوق؛ وأعط الأولوية لنمو رأس المال طويل الأجل على الربح قصير الأجل؛ ووظف أذكى العاملين وكافئهم، وكأنهم مالكو الشركة؛ وحافظ على شعور الإلحاح، إنها نفسية "اليوم الأول" في شركة ناشئة.
قول كل ذلك يعد بسيطا، لكن مثلما يعلم كثير من مديري الشركات، ليس هناك ما هو أصعب من تحقيق البساطة كل ساعة في كل يوم. "أكثر الشركات تركيزا على العملاء على وجه الأرض"، حسبما تحب شركة أمازون أن تسمي نفسها، تقدم الآن "شحنا مجانيا" إلى أكثر من 100 مليون مشترك يدفع مسبقا لـ"أمازون برايم".
عمليات التوصيل لديها تعرضت لضغوط شديدة في الأزمة الأخيرة، ما تسبب في تأخير وإحباط المستهلكين والبائعين، لكنها بدأت تثبت قابليتها للتكيف، حسبما تظهره فورة التوظيف لديها.
"حتى في ظل هذه الظروف، يظل شعور اليوم الأول"، هذا ما كتبه بيزوس في خطابه الأخير إلى المساهمين. بيزوس كان من أوائل من فهموا ديناميكيات الاقتصاد الرقمي، وعمل على بناء الشركة وفقا لذلك.
شبكة الإنترنت تمكن الموردين من التفاعل مباشرة مع المستهلكين على نطاق واسع، ما يؤدي إلى الاستغناء عن وساطة معظم الموزعين.
المليارات الناجمة عن المعاملات التي تنفذها "أمازون" كل عام تمنحك رؤية فريدة على طلب المستهلك. تضم الشركة الآن 110 ملايين مشترك في "أمازون برايم" في الولايات المتحدة. وتوظف 150 اقتصاديا من حاملي شهادة الدكتوراة، لتحليل بيانات المستهلك وديناميكيات السوق.لقد وفى بوعده الأصلي، إذ لعب بيزوس لعبة رأسمالية مختلفة عن معظم منافسيه المدرجين في البورصة.
لا تزال "أمازون" تعمل بصفتها شركة ناشئة، تعطي أولوية لوصول بعيد المدى على عائد قصير المدى، ولا تدفع توزيعات أرباح الأسهم. في العام الماضي، أنفقت "أمازون" 35.9 مليار دولار على التكنولوجيا والمحتوى، وتم تعريفها بشكل فضفاض للغاية، على أنها شركة بحث وتطوير.
المقارنات غير دقيقة، لكن لإعطاء فكرة عن الحجم، أنفق القطاعان العام والخاص في بريطانيا، ما مجموعه 37.1 مليار جنيه استرليني (46.4 مليار دولار) على البحث والتطوير في 2018.
"أمازون" تستخدم صندوقها لتمويل حرب الهجوم على أي قطاع، تعتقد أنها يمكن أن تكسب من خلاله هيمنة على السوق، سواء كان الكتب أو الترفيه أو الحوسبة السحابية أو المساعدين الرقميين أو بشكل متزايد، الرعاية الصحية.
"أمازون" ترتكب أخطاء فادحة أيضا، فقد أنفقت مئات الملايين من الدولارات على مشروع فاير فون Fire Phone الفاشل مثلا، لكنها تتعلم من إخفاقاتها.
وقد نوعت أنشطتها بمصادر أعمال تكميلية. هناك شركتها الفرعية للحوسبة السحابية، وخدمات موقع أمازون، وسوق أمازون التي تمكن أطرافا ثالثة من الوصول إلى التكنولوجيا ومنصتها للتجارة الإلكترونية. في أكثر الأجزاء ربحية من أعمالها، تبدو وكأنها تدير "ملهى".
مثل أي عمل تجاري، تضررت "أمازون" من الركود العالمي في طلب المستهلكين، وتواجه صعوبات في إدارة سلسلة توريد معقدة، في حال الطوارئ. بيد أن أولئك المستهلكين الذين تحولوا إلى منصات التجارة الإلكترونية البديلة، ربما لا يعودون أبدا.
المخاطر الاستراتيجية طويلة المدى لـ"أمازون" تم توضيحها في تقريرها السنوي، وتتلخص في الآتي: أكثر ما تخشاه "أمازون" هو المنافسة الأكثر ذكاء. هي قلقة بشأن الاعتماد على مسؤول رئيس. ماذا يحدث حال تسديد صاروخ فضائي على بيزوس؟
ويساورها القلق من جلب النطاق لتعقيدات خارجة عن السيطرة. كما تسلط الضوء على مخاطر معاملة ضريبية أكثر عدوانية وردود الفعل التنظيمية.
وقبل كل شيء، إذا عملت "أمازون" على بناء موقع باعتبارها شركة نفع عام مهمة للنظام، فلماذا لا يتم تقنينها بصفتها شركة نفع عام؟ ربما يكون أكبر خطر هو أقل ما تعترف به. على الرغم من كل كفاءتها التكنولوجية، تعتمد الشركة بشكل حاسم على جيش من عاملي الخدمة من ذوي الأجور المنخفضة.
على الرغم من رفع الحد الأدنى لأجور العاملين على مستوى العالم دولارين في الساعة مؤقتا، إلا أنها تواجه قلق العاملين من ظروف الدوام غير الآمن.
إن أنموذج عملها سيعاني إذا تأرجح البندول مبتعدا عن رأس المال، إلى اليد العاملة بعد الأزمة. إذا كان التاريخ تنبؤيا، فمن المؤكد أن أحد المنافسين سيحل محل "أمازون" يوما ما. مع ذلك، في الوقت الحالي، من الصعب معرفة من سيكون هذا المنافس. الشيء الوحيد المؤكد هو أن أي منافس قاتل لشركة أمازون، سيتعين عليه تحسين "صلصة الشركة" غير السرية للغاية.
ابدأ بحاجة المستخدم ومن ثم اعمل عكسيا. ابتكر بسرعة ووسع نطاق النجاح. تنازل عن الأرباح قصيرة الأجل لبناء هيمنة طويلة الأجل على السوق. أعد تطبيق ذلك مرار وتكرارا، بلا هوادة، ذاك سر عمل إن لم يكن نجاح "أمازون".


