النفط والتعايش مع فيروس كورونا

|
فيروس كورونا أتانا من حيث لا ندري، لكنه مصر على البقاء معنا، ويبدو أن هناك في العالم من وصل إلى قناعة أن لا مفر من التعايش مع الوباء الشرير هذا.
فما نقرأه من أبحاث وتقارير فيها ما يشير إلى أن الفيروس المستجد الذي ملأ عالمنا خوفا ورعبا سيقاوم محاولات البشر الحثيثة لاحتوائه. فما العمل إذا؟
تتصدر أصوات علماء كبار وباحثين نجباء صفحات الجرائد العالمية تدعونا إلى التعايش مع الوباء المستجد، الذي في غضون أشهر معدودات قلب حياتنا رأسا على عقب.
وحتى الآن فشل أكثر الإجراءات صرامة في إعادة الطمأنينة إلى قلوبنا. صحيح هناك دول تقول إنها أفلحت في الحد من انتشاره أو هي في طريقها إلى القضاء عليه، بيد أن هذه النجاحات، يقول العلماء، غير مستدامة وقد يتفشى الفيروس بشكل أوسع موقعا ضحايا وخسائر لم تكن في الحسبان.
ومع مضي الوقت بدأنا نحس عمق الجرح الذي خلفه فينا هذا الفيروس الخبيث، ونستشعر رويدا وريدا مقدار الوجع الذي خلفه ونتعرف على تبعاته التي قد لا تحصى.
من هنا، فإن الخوف والقلق سينغصان علينا عيشنا أفرادا ومجتمعات، وسيكون لهما من الآثار السلبية في مستقبلنا ما قد يفوق معاناتنا من الكوارث، التي كنا نحن سببا في إثارتها أو كانت جزءا من الظواهر التي ترافق طبيعة الحياة على الأرض.
وإن نظرنا حولنا لرأينا أن القلق والخوف والخشية تدب في عروقنا وعروق الحكومات في شتى أرجاء العالم. ضربات الجائحة من القوة بمكان حيث تجعل أقوى الحكومات والدول تترنح أمامها.
ولم يبق إلا أصوات هنا وهناك تدعو إلى الرشد والحكمة وإعمال العقل في التعامل مع فيروس كورونا "كوفيد - 19".
وأكثر صوت رشدا حتى الآن يبدو أن مصدره السويد، الدولة النائية التي تقبع في أقاصي الشمال الأوروبي. البعض يراه نشازا، إلا أن قادتها مصرون على رسالتهم التي تدعو إلى التعايش والتأقلم مع الجائحة وليس شن حرب بلا هوادة عليها.
ما السر الذي يجعل السويد تحاول التأقلم مع الجائحة مع أخذ كل احتياط ممكن للتخفيف من مضارها؟ تحدثنا عن هذا الأمر باقتضاب في هذا العمود، وأعد قرائي أن أعرج عليه بمزيد من التفاصيل.
القول إننا سنعود إلى ما كنا عليه قبل ظهور كورونا أي قبل نحو خمسة أشهر، قول لم يعد له أي سند، حياتنا تغيرت دون رجعة ليس في مسألة التطبيب والصحة فحسب بل في كل ما يخصنا كبشر.
نظرتنا إلى ما يشكلنا ثقافيا واجتماعيا وما يفرقنا وما يقربنا تزلزل حتى وإن كانت الطمأنينة والحلم والرشد ناصية من يقودنا في زمن الجائحة كما هو الحال في السويد.
وصرنا نتحدث عن تغييرات جذرية في مضامير حياتنا ونقول مثلا "هذا يحدث لأول مرة في التاريخ".
والتاريخ يكرر ذاته، شئنا أم أبينا. فإن حدث أمر مهول لأول مرة في التاريخ، فوقوعه مرة أخرى في المستقبل وارد.
من كان يتصور أن أسعار النفط ستتهاوى في الأسواق العالمية إلى مستويات غير مسبوقة ولأول مرة في التاريخ، إلى درجة أن يتم عرضه للبيع بشكل سلبي في الولايات المتحدة، التي يشكل اقتصادها نحو 30 في المائة من الناتج المحلي في العالم؟
القول إن أمريكا جلبت الكارثة على نفسها، لأن منتجي النفط الصخري والإدارة في البيت الأبيض التي دعمتهم لم يضعوا في الحسبان سيناريوهات مثل هذه ليس واقعيا.
ومؤلم حقا أن تأتي أصوات مثل هذه من دول تعتمد في اقتصادها بشكل رئيس على واردات صادراتها من سلعة واحدة. هذه الأصوات تذكرنا بالأصوات التي برزت في شمال أمريكا فيها تشف واضح من الصين عندما ضربتها الجائحة قبل نهاية العام الفائت؛ وانظر إلى حالهم اليوم.
ما حدث للنفط في الولايات المتحدة درس للدول، التي ميزانياتها ريعية ومفاده أنها لن تفلت من العواقب الاقتصادية التي مردها الجائحة كما لم يفلت من حبائلها حتى الآن أي مجتمع من حيث الإصابات والضحايا.
الكتابة على الحائط لكل الدول التي تتكئ في تمويل ميزانياتها على الريع، لأنها مقبلة على مشكلات في تمويل ميزانياتها قد يكون لا قبل لها بمواجهتها إن استدامت حالة القلق الحالية، بسبب تذبذب الأسعار وهبوطها المفاجئ.
وضع العالم برمته مقلق. فإذا كانت دول يشكل اقتصادها ثلث الاقتصاد العالمي ترى نفسها في وضع حرج جدا، فماذا عن مجتمعات يشكل الريع مصدر رزقها وسلة خبزها؟
لقد دقت القيم السلبية للنفط الأمريكي جرس الإنذار بقوة حيث صار صداه يطوف الآفاق، والدول التي تعتمد على سلعة واحدة لتزييت عجلة اقتصادها عليها البحث عن سبل لتنويع اقتصادها من خلال سياسات تؤدي إلى تنويع مصادر دخلها.
إنشرها