نشأت تجارة الأزهار في هولندا بمحض الصدفة، ولأكثر من 200 عام احتلت هولندا قلب التجارة العالمية للأزهار، فأول مزاد للزهور عقد في واحد من أشهر الفنادق الهولندية خارج العاصمة أمستردام، عندما التفت أحد التجار إلى أقرانه وسألهم هل يرغب أحد في شراء تلك الكمية من الأزهار، فأعرب أحد التجار عن رغبته وطرح ثمنا اعتقد أنه كفيل بأن يحقق له ربحا مرضيا، ولوجود عدد كبير من التجار والمشترين في تلك اللحظة، زايد تاجر آخر السعر، وهكذا انطلق أول مزاد للأزهار في التاريخ، ولتكون تلك هي البداية لـ "دار المزادات الملكية للأزهار الهولندية" في منطقة ألسمير بالقرب من أمستردام.
ومنذ عقود حتى اليوم تلعب دار المزادات تلك دورا حاسما في استيراد وتصدير 40 في المائة من الأزهار في جميع أنحاء العالم، لكن الأوضاع تتغير تدريجيا واللاعبون الجدد في تجارة الزهور يزداد دورهم بشكل محسوس في الأسواق، بما يعنيه ذلك من تغير ديناميكيات الإنتاج والتجارة في آن واحد، ولا شك أن التطور الهائل في تكنولوجيا النقل مكن عديدا من المنتجين الجدد في البلدان الإفريقية في تحدي مكانة هولندا التاريخية.
لورين أندرسون إحدى مستوردي الأزهار البريطانيين تقدر الحجم الإجمالي للتجارة العالمية بنحو 100 مليار دولار سنويا، وتقسم السوق إلى منتجين في البلدان النامية ومستهلكين في البلدان المتقدمة.
وتقول لـ "الاقتصادية"، إنه "نظرا لطبيعة الزهور القابلة للتلف، فقد كان المنتجون الرئيسون تاريخيا بالقرب من المستهلكين، وهذا هو السبب في أن هولندا تمكنت من احتلال قلب تلك التجارة عالميا لفترة طويلة، إذ كانت تزرع الأزهار قبل أن تتحول إلى تجارتها، وبذلك تمكنت من تزود جيرانها الأوروبيين باحتياجاتهم".
وتضيف أن الاستهلاك لا يزال يتركز في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فألمانيا تستهلك نحو 22 في المائة من الإنتاج العالمي يليها الولايات المتحدة 15 في المائة وفرنسا 10 في المائة وكذلك المملكة المتحدة، أما هولندا فتقارب نسبة الاستهلاك 9 في المائة واليابان 6 في المائة وسويسرا وإيطاليا 5 في المائة لكل منهما، أما مراكز الإنتاج الجديدة فهي تمتد من إفريقيا إلى آسيا وأخيرا أستراليا، فدول شرق إفريقيا مثل إثيوبيا وكينيا وتنزانيا باتت مراكز مهمة في الجانب الإنتاجي من صناعة الزهور، وأبرز المنتجين في أمريكا اللاتينية كولومبيا وتحتل المركز الثاني كأكبر مصدر للأزهار في العالم، وكذلك الإكوادور، كما تعد إسرائيل وتايلاند والهند وماليزيا من المصدرين البارزين، ونظرا لموقع أستراليا ونيوزيلندا في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، فإنهما يزودان الأسواق بالزهور الموسمية التي لا يمكن الحصول عليها في أمريكا الشمالية وأوروبا.
يتطلب مواكبة الطلب العالمي على الزهور توافر سلسلة توريد معقدة ومتوازنة من العمال والمزارعين وتجار الجملة وشركات الطيران وسفن الشحن والباعة والمحلات، إذ يجب نقل الأزهار المقطوفة بسرعة عبر ما يعرف بـ "سلسلة التبريد" وهي وسائل تبريد توجد في المزارع والشاحنات والطائرات والسفن حتى لا تذبل الأزهار، فكل يوم تقضيه الأزهار في السفر تفقد 15 في المائة من قيمتها.
لكن ما الذي دفع بعض الدول الإفريقية لتتحول إلى مركز عالمي لإنتاج الأزهار؟، مورجان سميث من الاتحاد الدولي لتجارة الأزهار يوضح ذلك لـ"الاقتصادية" قائلا إن "الأمر يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما أدت أزمة النفط إلى زيادة تكلفة تسخين الدفيئات الزراعية في بلدان نصف الكرة الأرضية الشمالي، نتيجة ذلك انتقل الإنتاج إلى بلدان الجنوب، حيث يمكن زراعة الزهور بقليل من احتياجات الطاقة، بالنسبة لأوروبا كان هذا التحول يعني زيادة الزهور المستوردة من بلدان مثل المغرب، ولاحقا بلدان شرق إفريقيا مثل كينيا وإثيوبيا وتنزانيا، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإنها طورت علاقة شراء مع تجار أمريكا اللاتينية".
المنتجون الجدد لديهم ثلاثة أشياء مشتركة، أجواء ليلية باردة تستفيد منها الزهور، والقرب من خط الاستواء يمنح الازهار ساعات طويلة من أشعة الشمس، يضاف لذلك العمالة الرخيصة، وقد سمح هذا الوضع لبعض البلدان الإفريقية في التخصص في أنواع معينة من الأزهار، فعلى سبيل المثال توفر كينيا ثلث احتياجات الاتحاد الأوروبي من الورد، بحيث باتت صادرات كينيا من الأزهار وتحديدا الورد ثاني بند في الصادرات الكينية بعد الشاي، وتساهم تلك الصادرات حاليا بنحو 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تقوم بتوظيف 100 ألف شخص بشكل مباشر في صناعة الزهور ومليوني شخص بشكل غير مباشر.
ويعتقد كثير من العاملين في تجارة الأزهار أن السوق اتسمت بزيادة المنافسة في الأعوام الأخيرة من حيث الإنتاج والتوزيع، فالنمو السريع في صناعة الزهور لدى المنتجين الجدد مثل الهند والصين يثير مخاوف منتجي الزهور الراسخين في المنطقة مثل ماليزيا وتايلاند، وفي إفريقيا تواجه كينيا، التي تعد أحد المنتجين التقليديين تحديات من إثيوبيا أحد المنافسين الجدد.
وتشير لـ"الاقتصادية"، جورجي فايث إلى أن صناعة الأزهار ستدخل مرحلة مختلفة بعد جائحة كورونا إلا أن "السوق كانت تشهد قبل تفشي فيروس كورونا اتجاها عاما قائما على اندماج شركات الإنتاج والتوزيع الكبرى، وظهر هذا الاتجاه مع الأزمة العالمية 2008، واندمج أكبر دارين لمزادات الأزهار في هولندا وهما "فلاورا هولندا" و"بلومنفليج أليسمر" في كيان واحد يبلغ حجم مبيعاته السنوية خمسة مليارات دولار، كما استحوذت شركة فلمينجو المتحدة إحدى الشركات الرائدة في المملكة المتحدة لتوزيع الأزهار، على الشركة الزراعية الكينية هوم جرون لتبلغ قيمة الشركة الجديدة 500 مليون يورو".
وتضيف جورجي أن الأضرار التي أصابت تجارة الأزهار نتيجة تفشي وباء كورونا ستعني أن جميع الشركات العاملة في الصناعة وخاصة الشركات المنتجة ستخرج ضعيفة للغاية نتيجة الخسائر المادية، التي منيت بها، ولن يكون أمامها إلا مزيد من عمليات الاندماج والاستحواذ لتكوين كيانات أكبر قادرة على مواجهة التحديات خاصة المالية في المرحلة المقبلة.
وتبدو واقعية هذا التحليل في ضوء الانعكاسات السلبية لجائحة كورونا على تجارة الأزهار العالمية، فأشهر الربيع وتحديدا شهر مارس وخاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية هي أشهر حفلات الزواج، حيث يزداد الطلب على الأزهار، كما أن عيد الأم والأعياد عموما يمثلان مناسبتين مهمتين يزداد فيهما الطلب، إلا أن معظم الأسواق الأوروبية، سواء في هولندا أو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا كانت مغلقة.
ويقدر الانخفاض في أسعار الأزهار في شهر مارس الماضي بنحو 70 في المائة، مقارنة بشهر مارس 2019، وترافق ذلك الوضع بالطبع مع توقف المنتجين عن إرسال شحنات الأزهار نتيجة توقف حركة الشحن.
لكن صناعة الأزهار مثلها مثل عدد كبير من الصناعات في حالة تغير مستمر، وفي هذا السياق يحصل الإنترنت على جزء أكبر ومتزايد من المبيعات، ما يجبر الشركات الحالية على تحويل العمليات عبر الإنترنت ومن ثم إغلاق متاجر الأزهار ضعيفة الأداء، وتؤثر تلك العملية في الصناعة ومستقبلها في جميع أنحاء العالم.
ويقول لـ"الاقتصادية"، آدم راسل أحد أبرز مستوردي الأزهار في المملكة المتحدة لـ"الاقتصادية" قائلا: "من المتوقع أن تشهد الصناعة موجة من التغيرات المثيرة للاهتمام في عالم ما بعد كورونا، فمزيد من الاندماج بين الشركات الكبرى، واستحواذ الشركات العملاقة على الشركات الصغيرة، ومزيد من الأتمتة في عملية الإنتاج وتكثيف الاعتماد على الإنترنت في عملية المبيعات، تعد التوليفة المثلى لخفض التكاليف وتفادي الخسائر الضخمة، التي تعرضت لها الصناعة نتيجة وباء كورونا، التي يقدرها بعضهم بنحو عشرة مليارات دولار، ولا بد للصناعة أن تتأقلم مع المتغيرات الجديدة في السوق إذا كانت ترغب في أن تزدهر ولا تذبل".


