هل يصنع التاريخ الرجل أم أن الرجل يصنع التاريخ؟ هذا سؤال يجب أن يطرحه المستثمرون على جاي باول.
عندما تم تعيينه رئيسا للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قبل عامين، اعتقد بعض المراقبين، وأنا منهم، أنه قد يكون مملا بشكل واضح. على عكس أسلافه المباشرين، لم يكن باول من الشخصيات البارزة في الاقتصاد. كما أنه ليس ذا شخصية استعراضية تلفت الانتباه، أو "مايسترو"، كما أطلق المؤلف بوب وودوارد على ألان جرينسبان.
صاغ باول معظم حياته المهنية في عالم قانون الشركات الذي لا يحب الظهور الإعلامي. وصفه زملاؤه بأنه "براجماتي" و"لا يلفت الانتباه لنفسه" و"حلو المعشر" و"متواضع" و"حذر".
لكن باول يصبح بسرعة الرئيس الأقل حذرا - أو البليد - في الاحتياطي الفيدرالي. مع إغلاق وباء فيروس كورونا للاقتصاد العالمي، سارع إلى نشر الأدوات التي أنشأها أسلافه لمكافحة أزمة عام 2008 والبناء عليها: تخفيض أسعار الفائدة، وشراء سندات الخزانة وسندات القروض العقارية، ودعم سوق الأوراق التجارية.
الآن ينتقل الاحتياطي الفيدرالي إلى منطقة جديدة: تعهد بشراء سندات البلديات والشركات، إلى جانب الصناديق المتداولة في البورصة، وتنظيم ما يسمى برنامج الإقراض المصرفي في الشارع الرئيس للمرة الأولى. باول لا يتخطى الخطوط الحمراء التقليدية فحسب، بل يقفز فوقها عمدا.
الأمر الذي الأكثر إثارة للدهشة هو حريته الواضحة في الابتكار. يرجع ذلك جزئيا إلى أن باول أرسى علاقة عمل وثيقة مع وزير الخزانة، ستيفن منوشين. كلاهما عمل في القطاع الخاص ويعد الحياة مجموعة من المقايضات التي تجب الموازنة بينها، إن لم يكن تسعيرها، بطريقة براجماتية وغير أيديولوجية.
لكن حرية باول هي أيضا دلالة على صدفة تاريخية أخرى. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مشغول للغاية باستخدام جلسات الإيجاز الصحافية اليومية حول "كوفيد - 19" ولا يجد وقتا لشن حملته لإعادة انتخابه، لدرجة أنه يبدي اهتماما ضئيلا بتعقيدات خطط باول ومنوشين. هذا مصدر ارتياح لكلا الرجلين.
إذن، كيف سيحكم التاريخ في النهاية على باول؟ في أحد المجالات، حقق مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي حتى الآن نجاحا كبيرا: فقد تجنبوا في اللحظة الأخيرة انهيار السوق الشهر الماضي. وكما غرد المؤرخ آدم توز، فإنهم "تمكنوا من تسطيح منحنى" الذعر المالي الأولي لفيروس كورونا.
حجم هذا الإنجاز مبين في تقرير جديد لبنك التسويات الدولية. فهو يصف بتفصيل مرعب مقدار الضغط الذي نشأ عندما تدافعت صناديق التحوط ذات الرفع المالي للخروج من سوق سندات الخزانة وهددت بإحداث صدمات متتالية. وكون أسعار سندات الخزانة مستقرة الآن نسبيا يعد انتصارا كبيرا. كذلك تخفيف الظروف السائدة في أسواق سندات البلديات والشركات والقروض العقارية.
لكن جاء هذا الإنجاز بتكلفتين هائلتين. الحجم الهائل سيقلل من قوة النيران المستقبلية للاحتياطي الفيدرالي في مواجهة أي صدمات مالية واقتصادية جديدة قد يطلقها الوباء. هذه التجارب الجامحة تسبب أيضا مخاطر أخلاقية غير مسبوقة. أو، بشكل أدق، تضخم الخطر الذي يقض مضجع النظام المالي منذ عام 2008.
علينا ألا ننسى أن السبب الرئيس وراء إقدام صناديق التحوط على تكويم مخاطر جنونية قبل أن يضرب الفيروس، هو أن الأموال كانت رخيصة بشكل مثير للسخرية. وبالمثل، اضطر الاحتياطي الفيدرالي أن يتحرك على عجل لمنع تجميد ائتمان الشركات على وجه التحديد لأن كثيرا من الشركات الضعيفة محملة بالديون لدرجة أنها بالكاد تستطيع خدمتها حتى قبل أن تحدث أي صدمة.
ومن المفارقات أن باول حذر في السابق من المخاطر التي تشكلها هذه الديون. والآن سيكون من الصعب للغاية مساعدة الشركات الأمريكية القيمة - من خلال دعم أسعار سندات الشركات وإعطاء القروض - دون مساعدة شركات الزومبي (الحية الميتة) واستثمارات صناديق الأسهم الخاصة الثرية. من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى إطلاق رد فعل سياسي أسوأ من ذلك الذي حدث بعد عام 2008.
يقول كبار مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إنهم يفهمون هذه المخاطر. لكنهم يصرون على أنهم يفضلون مواجهة أضرار السمعة في المستقبل، والهجمات السياسية الشخصية، بدلا من ترك النظام المالي يتجمد، أو يتحول الركود إلى كساد.
هل هذا يدل على الشجاعة؟ أعتقد نعم. لكن هل هو دلالة على الحكمة؟ ربما، بالنظر إلى البدائل المروعة، لكن إذا - فقط إذا - عمل باول ومنوشين على تخفيف بعض هذا الخطر الأخلاقي. ينبغي لهما إنشاء نظام رسمي للرقابة الخارجية على مخاطر الائتمان الفيدرالية، وأن يفعلا كل شيء ممكن لمنع أي عمليات إنقاذ للأسهم الخاصة. يجب على باول أيضا أن يبدأ في الحديث عن كيف سيوقف بنك الاحتياطي الفيدرالي دعمه حين يتراجع تأثير الفيروس ـ مثلا، عن طريق بيع سندات الشركات.
لكن هذا للمستقبل. في الوقت الحالي يحتاج المستثمرون إلى فهم سبب اتخاذ بأول، الرصين في العادة، لهذه المقامرات المذهلة. يخشى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي من أن تكون الصدمة الاقتصادية المحتملة التي تلوح في الأفق أسوأ مما يتوقعه الجمهور الأمريكي ومستثمرو الأسهم. هذا مخيف. للأسف، هو واقعي أيضا.

