عادت قضية اغتيال مسعود مولوي وردنجاني المعارض الإيراني في أحد شوارع حي شيشلي في العاصمة التركية، بتاريخ 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 إلى الأضواء من جديد، نتيجة الضغط المستمر للصحافة المستقلة بشأن الحادثة، حيث يصر بعض المنابر الإعلامية الدولية على فضح تواطؤ عدة أطراف على طمس وقبر هذه الجريمة البشعة.
انقضت ستة أشهر على واقعة تعرض الخبير الإيراني في الأمن الإلكتروني لحادث إطلاق نار أرداه قتيلا، بعد تلقيه 11 طلقة على يد قاتل محترف، يدعى عبدالوهاب كوتشاك؛ يعمل لمصلحة شريف زندشتي أحد تجار المخدرات على الصعيد الدولي، الذي تم استئجاره من قبل المخابرات الإيرانية لتنفيذ هذه الجريمة. تمكنت هذه الأخيرة من استدراج مولوي، عن طريق تجنيد صديقه المقيم في إسطنبول علي أسفنجاني الذي يقود فريق الاغتيال؛ برفقة عناصر مخابراتية في صفة رجال أعمال.
يصنف الرجل ضمن قائمة أشهر خبراء الجيش الإيراني، تخصص في مجال البرمجيات في جامعة آزاد الإسلامية، وحصل على الدكتوراه في الذكاء الاصطناعي من جامعة أريزونا في الولايات المتحدة. له إسهامات في عديد من الابتكارات ذات الصلة بحقل الذكاء الاصطناعي، فقد صمم خوارزميات لمعالجة البيانات السريعة، ونال براءة اختراع وجوائز عالمية في كرويا الجنوبية والولايات المتحدة. في الداخل الإيراني قاد مشروع بناء روبوت طائر لوحدات خاصة في الحرس الثوري الإيراني، كما تعاون مع وزارة الدفاع الإيرانية في تصميم وإنشاء طائرات بدون طيار.
قرر مولوي الخبير السابق في وزارة الدفاع، الاستقرار في مدينة إسطنبول؛ منذ حزيران (يونيو) 2018، وتأسيس شركة خاصة في مجال التقنيات، بعد هربه من جمهورية الملالي، عقب توالي التحقيقات التي أجريت ضده في دولته. فسرعان ما انتقل من مقرب للدوائر العليا، - فقد نشر صورا تجمعه برؤساء سابقين "أكبر هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد" - إلى مغضوب عليه، ومتهم بالخيانة والعمالة للخارج.
تحول الرجل إلى منتقد قوي للسلطات الإيرانية، وقبل ثلاثة أشهر من اغتياله شرع في نشر معطيات على مواقع التواصل الاجتماعي تكشف مستوى الفساد داخل الحرس الثوري الإيراني، وأطلق لذلك قناة خاصة على موقع تليجرام؛ الأكثر شعبية في إيران، تحمل اسم "الصندوق الأسود" يبث من خلالها معلومات ووثائق عن فساد القيادة الإيرانية، بما في ذلك الرئيس حسن روحاني، الذي وصف أداءه بأنه "رصاصة في جسد النخب العلمية في إيران".
أدرك المنشق الإيراني - كما يعرف نفسه - حجم ومخاطر ما يقوم به، بعدما هدد بفضح ما وصفها بالعصابة الحاكمة، ونشر بعض ما يملك، وقال "إنه سينشر كل ما في حوزته من معطيات"، حين قال في إحدى رسائله "سأجتث قادة المافيا الفاسدين، أدعو الله ألا يقتلوني قبل أن أفعل ذلك"، وهذا ما حصل بالفعل.
على الجهة الأخرى، تعددت المرويات بشأن دواعي تصفية الرجل في الداخل الإيراني، بين رواية مفادها تلقي مولوي تحذيرات من جانب الحرس الثوري الإيراني، تطلب منه عدم التعاون مع شركات تركية في مشاريع متعلقة بالطائرات المسيرة، سرعان ما تحول التحذير إلى مخطط تصفية، بعد الكشف عن اتصالات محورها العمل مع الولايات المتحدة ودول أوروبية، ورواية ثانية تفيد بأن الرجل قام باختراق إلكتروني، استهدف مؤسسات عدة في إيران، حصل عن طريقه على معلومات حساسة من شأنها تهديد الأمن القومي الإيراني، ورواية ثالثة تقليدية عادة ما تلاحق كل الأصوات المعارضة، تزعم أنه كان عميلا مزدوجا لإيران والولايات المتحدة وربما تركيا.
بعيدا عن أسباب الاغتيال، يثار عديد من الأسئلة حول موقف الدولة التركية مما جرى، فالعملية تمت على الأراضي التركية، بتخطيط وتنفيذ من عناصر المخابرات الإيرانية، باستعمال سلاح ناري خلف جثة هامدة في الفضاء العام، كل هذه المعطيات دون أن تحرك الحكومة التركية ساكنا، حيث تذرعت بوجوب انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيقات التي تولتها النيابة العامة التركية، واستمرت عدة أشهر.
وتعاملت أنقرة مع اغتيال المواطن الإيراني ببرودة شديدة وتجاهل كبير، إذ لم يسمع عنها في وسائل الإعلام، ولا على لسان رجال السياسة الأتراك، واعتبروها حادثة عادية، رغم كم الأدلة الذي يثبت تورط رجال المرشد.
وتعكس الحادثة نهج إسطنبول في التحول إلى نقط جذب واحتضان لكل الأنشطة الممنوعة والأعمال المشبوهة، فقبل عامين قامت الاستخبارات الإيرانية باغتيال سعيد كريمان الإعلامي والمعارض الإيراني، وقبله بأسابيع تصفية أندريه كارلوف السفير الروسي على مرأى من الجميع بيد حارسه الشخصي التركي، ونذكر أيضا الفلسطيني زكي مبارك، والناشطة السورية عروبة بركات... ويبقى السؤال الأكبر، هل ما يحدث راجع إلى التهاون الأمني أم التواطؤ الرسمي؟


