الاثنين, 21 سبتمبر 2026|8 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

أدى تورط الرئيس رجب طيب أردوغان في مأزق تقديم استقالة سليمان صويلو وزير الداخلية، إلى عودة تركيا إلى مشكلاتها الداخلية من جديد.

وجاءت استقالة صويلو، على أثر خلافات حادة بينه وبيرات البيرق صهر الرئيس المدلل، الذي يشغل منصب وزير المالية في البلاد، المعروف بتأثيره الكبير في الرئيس التركي، لكن عوامل ضعف الخبرة، ونشاط دور الدولة العميقة، حملا أردوغان على الاستفاقة، والنظر في أمور إدارة الدولة من ناحية عقلانية، بعيدا عن العواطف ومتطلبات العائلة، التي قد تتسبب في إزاحته في حال بقيت الأمور على ما هي عليه، إذ إنه اليوم بلا رجال حقيقيين كالذين أوصلوه إلى سدة الحكم سابقا، ما يزيد من صعوبة الأمور والقبول بشروط "الشريك المضارب".

يخشى أردوغان وزير داخليته المعروف بشراسته وقوته، الذي يتمتع بحظوة رسمية على مستوى البلاد، كما أنه صاحب الفضل في إفشال محاولة إسقاطه عام 2016 فتم تعيينه على أثر ذلك وزيرا للداخلية، على الرغم من أنه لا ينتمي إلى حزب العدالة والتنمية، إذ يتميز صويلو بسطوته ونبرة خطاباته القاسية، إضافة إلى توليه عمليات التطهير الأمنية الواسعة ضد مؤيدين مفترضين للانقلابيين، كما أوقف واعتقل عشرات الآلاف من الأشخاص بحجة المشاركة في الانقلاب، لتتوسع عمليات القمع تلك بعد ذلك وتطول معارضين مؤيدين للقضية الكردية وناشطين في المجتمع المدني وصحافيين أتراكا وأجانب.

وفي التيار المعاكس تماما هنالك من يملك قلب الرئيس التركي وعقله، فبيرات هو نجل صادق البيرق الصحافي والسياسي، وسبق أن البيرق انتخب نائبا لحزب العدالة والتنمية في البرلمان عن ولاية إسطنبول لثلاث دورات متتالية، إذ سنحت له الفرصة للتواصل مع الحكومات الأجنبية وفتح له الباب للقيام بدور دبلوماسي إلى جانب عمله، لدرجة جعلت البعض يصفه برئيس وزراء غير معلن، نظرا إلى اتساع نفوذه في الحكومة.

يمتلك الرجلان قوة ونفوذا يؤثران في الرئيس التركي بشكل كبير، زادا من حيرته وجعلاه يعيد من حساباته، لكن قبل أن نخوض في تلك التفاصيل، لا بد من الإشارة إلى تلك المبادرة السخية، التي أراد منها الرئيس أردوغان الحفاظ على قواعد اللعبة خارجيا، ليتسنى له حل مشكلاته الداخلية، إذ كشف مسؤول تركي لوكالة "بلومبيرج" الأمريكية، رفض الكشف عن هويته، موافقة الحكومة التركية على تزويد إسرائيل بمجموعة من المعدات الطبية، في إطار مساعدتها على السيطرة في الحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، على الرغم من حالة التوتر والقلق الظاهري في العلاقات بين الدولتين، منذ عام 2010.

الدولة العميقة في تركيا "كاونتر غاريلا"، ملتزمة بموقفها من معاداة الرئيس أردوغان، بعد أن اكتفت بمهادنته طوال الفترة السابقة، خصوصا بعد تمكنه من السيطرة على أغلبية مفاصل الدولة بعد تحويل نظام الدولة من نيابي إلى رئاسي، بعد إفشال الانقلاب المذكور سابقا، لتعيد الدولة العميقة اليوم ترتيب أوراقها، بعد أن فشلت محاولاتها في إسقاطه عامي 2007 و2008، إذ استعان أردوغان حينها بجماعة عبدالله جولن للتخلص من الدولة العميقة، لكن سرعان ما انقلب أردوغان على جولن، متوددا للدولة العميقة حينها بتمكين القوميين في الجيش والمخابرات والأجهزة الأمنية، لتتجدد المواجهة أخيرا، بعد تقديم صويلو استقالته، إذ عاشت تركيا تحولات كبيرة في ليلة واحدة بحجة فرض حظر التجوال المفاجئ، وليتم بالتزامن مع ذلك إخراج نحو مائة ألف سجين تركي، على رأسهم قيادات قومية، ومتورطون في المحاولة الانقلابية، وآخرون من رجالات الاقتصاد والعصابات، المعروفين بعدائهم للرئيس أردوغان، فيما يعد ذلك مؤشرا كبيرا على تعافي الدولة العميقة، التي ستخوض حربا ضروسا هذه المرة مع أردوغان، لكن بالأسلحة ذاتها، التي حاربها بها، إذ يعج سجله بعداء كبير من رفاقه في حزب العدالة والتنمية أمثال أحمد داود أوغلو، وعلي بابا جان، وعبدالله غل وآخرين تخلى عنهم، لشعوره بالقوة، بعد تشكيل حلف جديد يتولى رئاسته صهره تيراب البيرق، الذي ينوي الرئيس تسليمه زمام الأمور بعد مغادرته السلطة.

وفي سياق منفصل، مكنت الدولة العميقة المعروفة باسم "كاونتر غاريلا" الرئيس أردوغان من الوصول إلى الحكم، نظرا إلى ما أطلقه من وعود للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بتمكينه من دخول العراق عام 2003، من الأراضي التركية، لتتمكن القوات التركية من سحق القوات الكردية، والقضاء على أي حلم تركي بإقامة دولة كردية، كما أنها هدفت بذلك للتسلل إلى المحيط العربي، لفرض سيطرتها فيه، لكن سرعان ما أجهض المشروع، وبذلك اضطرت الدولة العميقة التركية إلى قبول رجب طيب أردوغان وحزبه العدالة والتنمية، لتغيير الصورة النمطية عن الدولة التركية، للحصول على تأشيرة الدخول إلى الاتحاد الأوروبي، لكن كل ذلك فشل، وبقي الرئيس أردوغان يتمدد حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم، لكن هنالك موقفا حادا وصارما للدولة العميقة من جماعة الإخوان المسلمين، التي لا تختلف عنهم في مشاريعها السلطوية التخريبية، لتكون الجماعة على سلم أولويات رجالات الدولة القومية في حال تمكنهم من الحكم المطلق للبلاد، والتخلص منها دون رجعة.

ختاما، فهم الرئيس التركي مضمون الرسالة، ورفض استقالة وزير داخليته القوي، على الرغم من استياء صهره المدلل، لكنه على ثقة تامة بأنه لا يملك سوى إطالة الوقت وكسب أعدائه، إذ تتوجه كل المؤشرات إلى أنه سيكون الرئيس الأخير للبلاد من حزب العدالة والتنمية، بعد خسارته كثيرا من الأوراق الداخلية سواء في حزبه أو على مستوى البلاد، وكذلك الخارجية سواء مع واشنطن فيما يخص الأكراد شمال سورية، إضافة إلى فقدانه الدعم الروسي، نتيجة تدخله في الشأن السوري في إدلب ودعمه الجماعات المسلحة هناك، وأخيرا الإجماع الأوروبي على التخلص منه، بسبب سياساته الضاغطة فيما يخص ورقة اللاجئين والتهديد بها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية