الإغلاق العظيم

|
أصدر صندوق النقد الدولي، الأسبوع الماضي، أحدث تطلعات الاقتصاد العالمي. وتناولت التطلعات التغيرات المفاجئة والأخيرة والسلبية للاقتصاد العالمي بعد انتشار جائحة كورونا. وقادت المخاوف من انتشار الوباء إلى تفعيل الدول سياسات الحد من انتشاره واحتوائه والوقاية منه التي تتضمن الحجر المنزلي والجغرافي لمعظم دول العالم، والحد ومنع استهلاك وإنتاج كثير من السلع والخدمات؛ ما أغلق كثيرا من الأنشطة الاقتصادية وقلص الناتج المحلي لدول العالم بنسب كبيرة؛ ما حدا بالصندوق إلى تسميته «الإغلاق العظيم». وتسبب الإغلاق في سرعة وتراجع اقتصادي عالمي لا مثيل لهما في التاريخ الحديث.
تواجه دول وشعوب العالم معضلات كثيرة ومعقدة في محاولة السيطرة على انتشار المرض، والحد من الخسائر البشرية، وصعوبة توفير المستلزمات الطبية، ومنع القطاعات الصحية من الانهيار. إضافة إلى ذلك، تسبب الوباء في معضلات اقتصادية ومالية، وانهيار أسعار السلع الأولية، وتوقف وتراجع عجلة إنتاج واستهلاك كثير من السلع والخدمات. وتحاول دول العالم تقديم أقصى درجات الدعم الممكنة للأسر والأعمال للحد من الآثار الكارثية للأزمة في حياة البشر والنشاط الاقتصادي مع انخفاض قدرة التنبؤ بالأوضاع التي ستكون عليها الاقتصادات بعد الجائحة.
يفترض الصندوق في السيناريو (الحالة) الأساس، أن تبلغ الأزمة ذروتها خلال الربع الثاني 2020 لمعظم دول العالم، وأن يبدأ التعافي في النصف الثاني من العام. وبناء على هذا الافتراض يستشرف الصندوق تراجع الناتج المحلي العالمي بنحو 3 في المائة في 2020، منخفضا عن مستواه في كانون الثاني (يناير) 2020 بنسبة 6.3 في المائة؛ ما يجعله أسوأ تراجع اقتصادي منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الـ20، ويفوق كثيرا التراجع الاقتصادي إبان الأزمة المالية العالمية في 2008. ومع انحسار الجائحة في النصف الثاني من العام ونجاح دول العالم في الحد من إفلاس الشركات والبطالة المرتفعة، يتوقع الصندوق عودة النمو الاقتصادي العالمي في 2021 بنسبة تصل إلى 5.8 في المائة عن مستويات العام الحالي. وعلى الرغم من أن هذا المعدل يبدو قويا إلا أن مستوى الناتج المحلي العالمي سيكون أقل من التوقعات قبل الجائحة. وستصل خسارة الاقتصاد العالمي من الجائحة إلى تسعة تريليونات دولار في عامي 2020 و2021. أما في حالة امتداد أزمة كورونا إلى نهاية العام والعام المقبل، فإن الأوضاع الاقتصادية العالمية ستكون في وضع أسوأ، حيث سيتراجع الناتج المحلي العالمي بنحو 6 في المائة هذا العام، وينخفض العام المقبل بنسبة 2 في المائة عن مستويات 2020.
ستطول الأزمة وآثارها الاقتصادية جميع أرجاء العالم، وسيتراجع النمو في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. في الحالة الأساسية سينخفض معدل نمو الدول المتقدمة بنسبة 6.1 في المائة خلال 2020، أما الدول النامية فسيسجل معظمها معدلات نمو سلبية، بينما سيتراجع نمو الصين والهند إلى أقل من 2 في المائة. ونتيجة لذلك ستنخفض معدلات دخول الأفراد في 170 دولة حول العالم. بالنسبة للسعودية يتوقع الصندوق تراجع الناتج المحلي بنسبة 2.3 في المائة في 2020 وعودة النمو إلى 2.9 في المائة العام التالي. من جهة أخرى، حذر الصندوق من معاناة الدول المعتمدة على السياحة والسفر والضيافة والترفيه أكثر من غيرها. وأدت الأزمة أيضا إلى خروج الاستثمارات الأجنبية تجنبا للمخاطر مما سيؤثر سلبا في اقتصادات الدول النامية بشكل أكبر.
افتراضات الصندوق في المشهد أو الحالة الأساسية تبدو متفائلة والجميع يرجو أن يكون الوضع كذلك، ولكن حتى مع هذا التفاؤل فستحدث معاناة كبيرة للاقتصاد العالمي بشكل عام مع تفاوت كبير في مستويات المصاعب بين دول العالم. وستجابه الدول النامية المعتمدة على تجارة الخدمات، وخصوصا السفر والسياحة، مصاعب في مواجهة نتائج الجائحة أكثر وأقوى من غيرها؛ ما قد يثير إشكالات سياسية في بعض منها. وتتوقف قدرات الدول في التغلب على تحديات الأزمة على الوضع المالي والاقتصادي الأساسي قبل الأزمة، وكذلك على نجاح وبراعة سياساتها في احتواء الداء وسرعة تجاوبها مع الأزمة. من جهة أخرى، أبرزت أزمة كورونا أهمية التعاون المجتمعي في احتواء المرض وفي التعافي من الجائحة؛ ما يقلل كثيرا من تكاليف الأزمة ويساعد الدول على سرعة النهوض من آثارها المدمرة على الصحة والحياة والاقتصاد.
تعهدت دول العالم بإنفاق أكثر من ثمانية مليارات دولار إضافية للتعامل مع أزمة كورونا التي من المتوقع ارتفاعها مع تطور تداعيات الأزمة. وإذا ما أضيفت هذه الالتزامات التي سيأتي معظمها؛ إن لم تكن كلها من الديون، إلى خسائر الناتج المحلي الإجمالي العالمي البالغة تسعة تريليونات دولار، فإن تكاليف أزمة كورونا لن تقل عن 17 تريليون دولار وهو مبلغ هائل يفوق قليلا الناتج المحلي للصين، وقد يقارب الناتج المحلي للولايات المتحدة هذا العام. ورغم الخسائر الهائلة من الجائحة فينبغي عدم المفاضلة بين الخسائر الاقتصادية والمكاسب الصحية حيث يكتسب إنقاذ الأرواح أهمية أكبر بكثير من الاقتصاد، فالأرواح البشرية لا تقدر بثمن. كما يتحتم على صناع القرار تفعيل سياسات احتواء الوباء وتوفير المستلزمات الأساسية للأسر خلال الأزمة، أما بعد مرور العاصفة فلابد من تحفيز الطلب وتوفير الدعم لعودة الأعمال إلى أنشطتها.
إنشرها