الأحد, 13 سبتمبر 2026|30 رَبِيع الْأَوَّل 1448
الاقتصادية

لعل أصعب ما يوجه الاقتصاديين عموما، التنبؤ بنهاية حالة اقتصادية لا يوجد لها نظير من قبل، أو بمعنى آخر، لم تدرسها النظرية الاقتصادية ولم تتنبأ بها. لقد مر العالم بأزمات اقتصادية عدة، وكانت كل أزمة تمثل منعطفا تاريخيا، لكن، قليلة تلك الأزمات التي تمخضت عن فلسفة اقتصادية جديدة، ولم يكن هناك على مدى التاريخ أكثر إلهاما من الثورة الصناعية ونشأة الفكر الرأسمالي، ثم نشأة الفكر الاشتراكي وانتقاله إلى الشرق، ثم الكساد الكبير. لقد كان كل منعطف منها كفيلا بإعادة صياغة النظرية الاقتصادية تماما، ومنذ الكساد الكبير لم تحدث أزمات ضخمة بمثل هذا المستوى، لذا كانت النظرية السائدة كفيلة بحل المشكلات الآنية، أو الإقليمية. لكن المشهد الاقتصادي اليوم ينبئ عن أزمة ضخمة ليس في حجمها فحسب، بل حتى في المفهوم الاقتصادي لمواجهتها، فهذا صندوق النقد يقدم مفهوم "الإغلاق الكبير" نظيرا لمفهوم "الكساد الكبير"، للتلميح نحو التأثيرات الضخمة والواسعة النطاق لانتشار وباء «كوفيد - 19»، الذي دفع بالاقتصاد العالمي نحو ركود عميق مع تراجع الناتج العالمي 3 في المائة. وهنا، نقتبس العبارات التي استخدمها صندوق النقد في التعبير عن هذه الكارثة من حيث "إن حجم وسرعة الانهيار في النشاط.. لا يشبه أي شيء شهدناه في حياتنا".

لا شك أن الإغلاق الكبير Great Lockdown، يمثل حدثا تاريخيا لم يشهده العالم من قبل، وكل ما نعرف عن هذه الظاهرة "المقصودة"، أنها أتت لمواجه الظاهرة النادرة لتفشي مرض كورونا في أنحاء العالم وفق أنماط انتشار تختلف من دولة إلى أخرى. ورغم أن الاقتصاد العالمي في مجمله سيواجه تراجعا 3 في المائة، إلا أن الآثار ستكون موزعة بين العالم بصور مختلفة، فالتقارير تشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي قد يواجه انكماشا 9.5 في المائة، وتوقع صندوق النقد الدولي أن يتراجع اقتصاد منطقة اليورو 7.5 في المائة هذا العام، كما توقع الصندوق انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 3.3 في المائة. وبينما يتوقع الصندوق أن ينكمش اقتصاد بريطانيا 6.5 في المائة، فإن الاقتصاد الفرنسي سيتراجع 7.2 في المائة والاقتصاد الألماني 7 في المائة، وسيكون الاقتصاد الإيطالي الأكثر تأثرا بتراجع 9.1 في المائة في 2020. وهذا التزامن والتقارب في التراجع بين دول القارة الأوروبية، وصفه الصندوق بـ"الصدمة المشتركة القادمة من الخارج". وهكذا، يقدم صندوق النقد مفاهيم جديدة لوصف الظاهرة الاقتصادية الناتجة عن تفشي فيروس كورونا، أملا في أن يجد طريقة للتنبؤ بمسارها المقبل.

وفي تنبؤه بالقادم، جاء تقرير صندوق النقد ليربط بين أداء القطاع الصحي وبين الوصول إلى السيولة العالمية. في ربط هو أيضا جديد على النظرية الاقتصادية، أكد التقرير أن "الاقتصادات المتقدمة التي تملك قدرة أقوى في مجال الرعاية الصحية وتصل أفضل إلى السيولة الدولية ولديها تكاليف استدانة أقل نسبيا، ستكون أقدر على مواجهة الأزمة الصحية" القائمة. ويمكن من هذا أن نفهم، بأن النظام الصحي الجيد أصبح في مرمى نظر التقييم الاقتصادي، وقد يصل إلى التصنيف الائتماني قريبا، إذ إن التباين في هذه العلاقة التي أشار إليها صندوق النقد بين الأداء الصحي وتكاليف الاستدانة، دعت إيطاليا وإسبانيا وفرنسا إلى التفكير بطرق جديدة، تشمل "الاستدانة بشكل مشترك" بين دول الاتحاد الأوروبي الـ27، الأمر الذي يقود إلى تمويل خطة تعاف ضخمة وإعادة إطلاق الاقتصاد إلى فترة ما بعد الوباء، لكن دول شمال أوروبا الأغنى، كألمانيا وهولندا، تقاوم هذه الدعوات.

ورغم أن صندوق النقد الدولي لم يقدم كثيرا بشأن الأفكار المطروحة لمعالجة انكماش اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، الذي قد يصل إلى 3.3 في المائة هذا العام، لكن المفاهيم الجديدة المطروحة مثل تلك العلاقة بين الأداء الصحي وتكاليف الاستدانة، وأيضا مفهوم الاستدانة بشكل مشترك، قد تقدم حلا، وهذا يتطلب تقدما في التضامن الاقتصادي، وهو ما لم تحققه دول هذه المنطقة بعد. لذا، فإن التضامن الاقتصادي في المرحلة المقبلة قد يكون الفرق بين التعافي السريع أو التخلف عن الركب الاقتصادي فترة قد تطول نسبيا.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية
الجائحة والمفاهيم الاقتصادية الجديدة | صحيفة الاقتصادية