الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الاثنين, 25 مايو 2026 | 8 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

الاختيار بين إنقاذ الأرواح وإنقاذ الوظائف

بينما يتحرك العالم لمواجهة جائحة "كوفيد - 19"، يواجه بلد بعد الآخر ضرورة احتواء انتشار الفيروس وإن كان الثمن توقف حركة المجتمع والاقتصاد.

وللوهلة الأولى، يبدو أن هناك مفاضلة بين أمرين متعارضين: إما إنقاذ الأرواح وإما الأرزاق، لكنها في الواقع معضلة زائفة فالسيطرة على الفيروس هي في الأساس شرط لازم لإنقاذ الأرزاق.

وهذا ما يشكل رباطا وثيقا بين منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي، فمهمة المنظمة حماية صحة الأفراد، وهي في وضع يمكنها من تقديم المشورة بشأن الأولويات الصحية؛ بينما تتمثل مهمة الصندوق في حماية صحة الاقتصاد العالمي، حيث يقدم المشورة بشأن الأولويات الاقتصادية، كما يساعد على إتاحة التمويل.

ونحن نناشد معا صناع السياسات خاصة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية أن يتفهموا أن حماية الصحة العامة تسير يدا بيد مع إعادة الناس إلى مزاولة أعمالهم.

وتقف منظمة الصحة العالمية بحكم صلاحياتها في خط المواجهة الأول لهذه الأزمة، ومثلها الصندوق. ففي الفترة القصيرة المنصرمة منذ بداية انتشار فيروس كورونا حول العالم حدث ارتفاع حاد في الطلب على تمويل الصندوق.

ولم يحدث قط في تاريخ الصندوق الممتد لـ75 عاما أن نشأت الحاجة إلى التمويل الطارئ في هذا العدد الكبير من الدول وهي 85 بلدا حتى الآن. وتجري إتاحة هذا التمويل في وقت قياسي، حيث بدأ بالفعل إصدار الموافقات على المشاريع الأولى وصرف الأموال اللازمة لتقديم المساعدات الضرورية لوقاية الدول من حدوث زيادة حادة في احتياجات التمويل في وقت يشهد هبوطا مفاجئا في الأنشطة الاقتصادية والإيرادات.   

وبينما يصل التمويل الداعم للميزانيات العامة المضغوطة بشدة إلى الدول التي تحتاج إليه، نناشد معا أن توضع النفقات العامة الموجهة للصحة على رأس قائمة الأولويات.

فدفع رواتب الأطباء وممتهني التمريض، ودعم المستشفيات وغرف الطوارئ، وإنشاء عيادات ميدانية مؤقتة، وشراء مستلزمات الوقاية والمعدات الطبية الضرورية، وإطلاق حملات التوعية الجماهيرية بإجراءات بسيطة كغسل اليدين كلها استثمارات حيوية لحماية الناس من الجائحة.

وفي عدد ضخم من الدول، تفتقر النظم الصحية إلى الاستعداد الكافي للتعامل مع سيل المصابين بفيروس كورونا ومن المهم للغاية إعطاؤها دفعة في هذا الاتجاه.

ومن الممكن، والواجب أن يترافق هذا مع دعم أولويات الاقتصاد ككل التي يتطلبها تخفيض البطالة، والحد من حالات الإفلاس، وكذلك ضمان التعافي مع الوقت.

كل هذا يأتي إضافة إلى الإنفاق الصحي وليس بديلا عنه ويهدف إلى تقديم دعم موجه للأسر والشركات الأكثر تضررا، بما في ذلك التحويلات النقدية، ودعم الأجور، والعمل ساعات مخفضة، وزيادة إعانات البطالة وتقوية شبكات الأمان الاجتماعي، والحد من ارتفاع تكاليف الاقتراض.

وندرك مدى صعوبة تحقيق التوازن الصحيح. فالنشاط الاقتصادي يتداعى مع تأثر العمالة والشركات وسلاسل العرض بالإصابات وإجراءات مكافحة الجائحة، وتراجع الإنفاق المترتب على فقدان الوظائف وعدم اليقين، والتضييق الحاد للأوضاع المالية، وتضرر مصدري السلع الأولية من انهيار أسعار النفط، وكل ذلك تصاحبه تداعيات عابرة للحدود.

وفي الدول ذات الاقتصادات غير الرسمية الكبيرة، تعتمد الأسر في عيشها على أجور يومية. ويستحيل التباعد الاجتماعي مع التكدس السكاني الكبير في الأزقة الحضرية.

غير أننا مقتنعون أن التمويل الطارئ لا يمكن أن يساعد إلا إذا حققت الدول هذا التوازن. ومنظمة الصحة العالمية يمكنها المساعدة على مجالات التنسيق الحيوية، كضمان إنتاج المعدات الطبية وتوصيلها لمن يحتاجون إليها، بصورة تتسم بالفعالية والكفاءة والمساواة وذلك بتيسير اتفاقات الشراء المسبق، على سبيل المثال.

وتعمل المنظمة أيضا مع موردي معدات الوقاية الشخصية للعاملين في القطاع الصحي لضمان كفاءة عمل سلاسل العرض. وفي هذا المجال يمكن أن يكون التعاون مع المنظمات الدولية الأخرى فعالا للغاية، كالاستفادة من قدرة البنك الدولي على تجميع الطلب لشراء الإمدادات الطبية بالجملة.

ويهدف الصندوق من جانبه إلى المساعدة بمضاعفة طاقته المتاحة لمواجهة الطوارئ من 50 إلى 100 مليار دولار متيحا للدول الحصول على ضعف التمويل الذي كان يتيحه أثناء الطوارئ السابقة. وقد تمكن من تأمين طاقة إقراض كلية قدرها تريليون دولار بفضل الإجراءات الحاسمة التي اتخذتها دوله الأعضاء.

ويعمل الصندوق أيضا على زيادة قدرته على تخفيف التزامات خدمة الدين عن أفقر الدول الأعضاء من خلال "الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون" حيث يتلقى مساهمات سخية من المانحين. ومع البنك الدولي، يدعو الصندوق إلى إيقاف مدفوعات خدمة الدين المستحقة على أفقر الدول تجاه الدائنين الثنائيين الرسميين ما دام الاقتصاد العالمي مشلولا تحت تأثير الجائحة.   

إن مسار الأزمة الصحية العالمية ومصير الاقتصاد العالمي متشابك على نحو لا ينفصم. ومحاربة الجائحة ضرورة لتعافي الاقتصاد. لذلك، تتعاون منظمة الصحة العالمية وصندوق النقد الدولي بصورة وثيقة فيما بينهما ومع المنظمات الدولية الأخرى، للمساعدة على تلبية الاحتياجات ذات الأولوية للدول الأعضاء.

وإذ نعمل جميعا معا في ظروف تتسم بضيق الوقت ومحدودية الموارد، يتعين علينا التركيز على الأولويات الصحيحة لإنقاذ الأرواح والأرزاق. وفحوى مناشدتنا المشتركة هو أنه لزاما على القادة الآن، ونحن نمر بواحدة من أحلك اللحظات في تاريخ البشرية أن يحشدوا الجهود لأجل من يعيشون في الأسواق الصاعدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية